في عام 1998 سافرت إلى المملكة السعودية بعقد عمل لمدة سنة , للعمل ضمن جهاز الإشراف الهندسي لمشروع إعادة بناء مجّمع الثانوية الصناعية في مدينة جّدة.
في ذاكرتي الكثير من الانطباعات عن الحياة الاجتماعية في مدينة جدة,منها على سبيل المثال لا الحصر,أغلب سائقي سيارات الأجرة العامة والمسماة الليموزين ,أثناء تبادلهم الحديث , يبادروا كل راكب بالسؤال:إن كان يعمل لوحده أو مع عائلته؟ ليتبعوه في حال كانت الإجابة :عائلتي ليست معي. هل تريد نساء؟ من أي جنسية تشاء بما فيها السعودية ... فالدعارة متواجدة كمهنة سرية لها أصحابها ومريديها حتى لها أماكنها الخاصة – أنذاك – و أحدها كان في الفيلات على الشاطىء الخاص في منطقة أبحر وعند سؤالي كيف تسمح المملكة بذلك ؟ كان الجواب أن ذلك أحد الوسائل المتبعة لمنع خروج الأموال السعودية من المملكة!! , حيث بلغت نسبة التضخم في الموازنة المالية السنوية العامة أنذاك حوالي 40%
الشقة التي كنا نقيم فيها , تقع في شارع فلسطين بجانب مكتبة جرير , أوقات كثيرة قضيناها في طوابق تلك المكتبة الضخمة , خاصة في الطابق الثالث حيث الكتب المتنوعة من دينية وغيرها , وحين سألت عن عدة كتب دينية إسلامية فقيل لي بأنها غير موجودة – ممنوعة – في المملكة لأنها تخالف الفكر الوهابي , انتقلت إلى الكتب الأدبية وبحثت عن كتاب سعوديين فوجدت عدة مجموعات قصصية , قرأت في إحداها قصة قصيرة تتحدث عن المعاناة الاجتماعية للمرأة السعودية بسبب إجازات الصيف الخارجية للأزواج !! حيث يسافر الزوج غالباً إلى الدول الأوروبية أو العربية وحيداً تاركاً زوجته مع الأولاد في أي منطقة ساحلية سياحية ضمن المملكة. مدينة جّدة على البحر الأحمر درة المدن السياحية , تكثر فيها الأسواق الشعبية وأماكن التسوق القديمة والحديثة , ويطلق فيها اسم الحلقة على السوق الرئيسي للخضار والفواكهة, هو ما يعرف بسوق الهال في سورية. في الكثير من المرات أثناء تجوالنا في الأسواق الشعبية سمعنا جملة : جوالك جوالك , يرددها الشباب للصبايا أو العكس , أو أن تدّس صبية ورقة عليها رقم جوالها في يد شاب أو العكس , كل ذلك يجري في تكتم وحذر شديدين. هو الكبت ونتائجه ! تحدث مشاكل أحياناً فتتدخل الهيئة المعروفة بالشرطة الدينية التي لها يد ليس في حّل المشاكل فقط بل هي تتدخل فعلياً في الحياة اليومية للناس وتتحكم بها, طريقة اللباس والمشي والأكل , أوقات الصلاة ... الجيل الشاب كان يبدي رفضه لتلك التصرفات بطرق واعية أو عفوية في أكثر الأحيان كأن يخالف أبسط التعليمات بما فيها المتعلقة بسلامته الشخصية, يتعمد مغازلة فتاة افتراضية على جواله المقفل وحين توقفه الشرطة الدينية يقول لهم الجوال مقفل , اشتبي مني ممنوع احكي ؟ فتتركه قائلة الله يهديك !.
واتذكر أن بعض مشايخ مدينة جّدة أصدروا فتوى بعدم جواز الصلاة في جامع بناه الفنان السعودي محمد عبده لأن أمواله من الغناء والفن عموماً حرام! مع ذلك كنا نجد بعضاً من المصلين يتعبدون فيه .
أكثر مرة صدمت حين أخبرني أصدقائي ما حصل معهم عقب صلاة الجمعة في مناقشة شيخ الجامع بعد خطبته في المصلين معقباً على سؤال أحدهم بما معناه: الزنى حرام مع خادمة المنزل لكن يمكن قبول كفارته! وحين استهجن أحد أصدقائي جواب الشيخ أجابه : أكيد أنت لست سعودي ؟ يمكنك البقاء لأجيبك بالتفصيل بعد انتهاء خطبتي!.
وبعد مغادرة الجميع سمع زملائي تبرير الشيخ قائلاً لهم بما معناه : يا أبنائي السعودية ليست كسورية , عندنا استفحل الشر وكثرت المشاكل العائلية ذات الطابع الجنسي ... فالأفضل قبول الكفارة للزنى مع الخادمة لأن فرض الزواج منها سيسبب مشاكل عائلية كثيرة, وفي حال منعه بفتوى دينية سيفتح ذلك الباب أمام زنى المحارم فنجد الأب أوالابن مع ابنته أوأخته أو العكس ...
قد تكون الأمور تغيرت الآن نحو الأحسن ؟ أتمنى ذلك , فكما قلت حدث ذلك في عام 1998 .
من الأمور التي حصلت معي , إزعاجات مستمرة لي , من زميل سوري من مدينة الباب شمالي حلب ,بأفعاله الصبيانية ومزاجيته , فعند موعد كل صلاة كان يقول لي : تعا معنا على الصلاة عيسى بلكي الله بيهديك!! في البداية ضحكت له ثم ضحكت منه, إلى أن قلت له في إحدى المرات : إذا الهداية بدها تكون على إيديك , الله يلعن هيك هداية, انزعج الأخ وكبت في قلبه مدة, ثم حاول مناقشتي بأمور الدين ... قلت له أمام الأصدقاء , بعد أن استمعت إليه: هل اخترت دينك أم ورثته عن أهلك ؟ تلعثم فتدخل الأصدقاء طالبين منه عدم النقاش معي بتلك الأمور على مبدأ كل مين على دينه الله يعينه. بعد فترة استلم الأخ الحديث عن بئر زمزم ومدى قداسته وأهميته وبأنه نبع دائم عصّي على الشح أو الجفاف ... وكان يردد ذلك أمام الجميع كل فترة ,فنقول له طيب شكراً على معلوماتك ... الخ إلى أن تعرفنا على مهندس أردني زارنا في الشقة بصحبة أحد الأصدقاء وتعرف علينا وحين سألته عن عمله وأين يعمل ؟ أجاب بأنه يعمل كمهندس في مشروع جّر مياه لرفد بئر زمزم لأن البئر موشك على الجفاف !.