السبت، 25 يوليو 2026

العزل السياسي في سورية... عدالة انتقالية أم بوابة لحرب أهلية مؤجلة ؟ تعقيبي على مقال د. بسام أبو عبدالله

د. بسام أبو عبد الله 26 تموز 2026 يثير مشروع قانون العزل السياسي المتداول في سورية أسئلة تتجاوز كثيراً حدود القانون، لتصل إلى طبيعة الدولة التي يجري بناؤها بعد سقوط النظام السابق. فالعدالة الانتقالية، في التجارب المقارنة، لم تكن يوماً أداة للانتقام أو للإقصاء الجماعي، بل وسيلة لتحقيق العدالة، وحماية المجتمع، وكشف الحقيقة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين. لكن المشروع المتداول يثير مخاوف حقيقية، ليس لأنه يلاحق مرتكبي الجرائم، فهذا واجب قانوني وأخلاقي، وإنما لأنه قد يحول مئات الآلاف، وربما ملايين السوريين، إلى مواطنين من الدرجة الثانية بسبب وظائفهم السابقة أو انتماءاتهم السياسية، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى توافقه مع مبادئ العدالة الانتقالية، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وحتى مع متطلبات بناء دولة مستقرة بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من الحرب. والأخطر من ذلك أن مشروع القانون، بصيغته المتداولة، لا يبدو مجرد إجراء قانوني مؤقت، بل محاولة لإعادة هندسة المجتمع السياسي السوري عبر استبعاد شريحة واسعة من المواطنين قبل أن يمتلك الشعب نفسه حق اختيار شكل الدولة ونظام الحكم، وهنا لا يعود الحديث عن عدالة انتقالية بقدر ما يصبح الحديث عن إعادة توزيع للسلطة تحت غطاء القانون، بما يهدد بتحويل القانون من أداة لتحقيق العدالة إلى وسيلة لفرض ميزان قوى سياسي جديد. أولاً: ما المقصود بالعزل السياسي؟ العزل السياسي هو حرمان شخص أو مجموعة من الأشخاص من ممارسة بعض الحقوق السياسية، مثل تولي المناصب العامة أو الترشح للانتخابات، خلال فترة زمنية محددة أو بصورة دائمة. وفي الفقه الدستوري، لا يكون العزل مشروعاً إلا إذا استند إلى مسؤولية فردية تثبتها محاكمة عادلة أمام قضاء مستقل، وليس إلى مجرد الانتماء السياسي أو شغل وظيفة عامة. أما عندما يتحول إلى عقوبة جماعية، فإنه يفقد طبيعته القانونية، ويتحول إلى وسيلة للإقصاء السياسي وإعادة تشكيل الحياة العامة وفق معايير الولاء، لا وفق معايير العدالة. ثانياً: هل يحق لسلطة انتقالية إصدار مثل هذا القانون؟ هنا تكمن الإشكالية الأساسية. فالسلطة الحالية سلطة انتقالية تشكلت في ظروف استثنائية، ولم تصل إلى الحكم عبر انتخابات عامة، كما أن السلطة التشريعية القائمة معينة وليست منتخبة. ومن ثم، فإن إصدار قانون يعيد رسم الحياة السياسية لعقود مقبلة، ويحرم أعداداً كبيرة من المواطنين من حقوقهم السياسية، يثير سؤالاً جوهرياً حول حدود الشرعية الدستورية لهذه السلطة. فالسلطات الانتقالية وجدت لإدارة مرحلة مؤقتة وتهيئة الظروف لعودة الإرادة الشعبية، لا لإعادة صياغة النظام السياسي بصورة نهائية قبل أن يقول السوريون كلمتهم عبر انتخابات حرة ودستور يقرونه بأنفسهم. ثالثاً: كم يبلغ عدد السوريين الذين قد يشملهم العزل؟ إذا صحت الوثائق المتداولة، فإن المشروع لا يقتصر على كبار المسؤولين، بل يشمل الوزراء، وأعضاء مجلس الشعب، والمحافظين، والقضاة، وكبار الموظفين، والقيادات الحزبية، والضباط، ورؤساء الجامعات، وعمداء الكليات، إضافة إلى كل من يثبت أنه "دعم النظام السابق أو ساهم في استمراره"، وهذه العبارة وحدها كفيلة بتوسيع دائرة العزل إلى حدود غير مسبوقة، لأنها تفتقر إلى تعريف قانوني دقيق، وتفتح الباب أمام تفسيرات واسعة قد تشمل أشكالاً مختلفة من التعبير السياسي أو الإعلامي أو الثقافي إذا لم تحدد معاييرها القانونية بدقة. وإذا أخذنا المادة المتعلقة بقيادات وأعضاء حزب البعث منذ عام 1970 بحرفيتها، فإن دائرة العزل لن تتوقف عند كبار المسؤولين، بل قد تمتد إلى ملايين السوريين الذين انتسبوا إلى الحزب خلال أكثر من خمسة عقود، سواء بدافع القناعة، أو بحكم ضرورات الوظيفة، أو لأسباب اجتماعية وإدارية فرضتها طبيعة النظام السابق، وعندها لا يعود القانون موجهاً ضد أفراد تثبت مسؤوليتهم القانونية، بل يتحول إلى عملية إقصاء جماعي غير مسبوقة في التاريخ السوري الحديث. رابعاً: ماذا تقول التجارب الدولية؟ غالباً ما يُستشهد بألمانيا والعراق لتبرير العزل السياسي، لكن هذه المقارنة تحتاج إلى كثير من الدقة. ففي ألمانيا، اقتصر العزل تدريجياً على القيادات النازية المسؤولة عن الجرائم، بينما أعيد دمج مئات الآلاف من الموظفين والخبراء حفاظاً على استمرارية مؤسسات الدولة وإعادة بناء المجتمع. كما أن سياسة إزالة النازية مرت بمراحل متعددة، وشهدت لاحقاً مراجعات واسعة انتهت إلى إعادة دمج أعداد كبيرة من العاملين في مؤسسات الدولة، إدراكاً لاستحالة إدارة دولة حديثة بسياسة الإقصاء الشامل. وفي جنوب أفريقيا، اختير طريق الحقيقة والمصالحة، فكان كشف الحقيقة والاعتراف بالانتهاكات أساساً للمصالحة الوطنية، بدلاً من الإقصاء الجماعي. أما العراق، فقد أصبح المثال الأكثر وضوحاً على مخاطر التوسع في العزل السياسي. فقد أدى قانون اجتثاث البعث بعد عام 2003 إلى استبعاد أعداد هائلة من العسكريين والموظفين والقضاة والأكاديميين والمهندسين والأطباء من مؤسسات الدولة، ليس بسبب إدانتهم بجرائم فردية، وإنما بسبب انتمائهم الحزبي أو وظائفهم السابقة، وكانت النتيجة انهياراً واسعاً في مؤسسات الدولة، وتعميق الانقسام المجتمعي، وخلق بيئة ساهمت في استمرار العنف والإرهاب وعدم الاستقرار لسنوات طويلة. وقد دعت لاحقاً جهات أممية وعدد من الباحثين المتخصصين في العدالة الانتقالية إلى مراجعة تلك السياسات بسبب آثارها السلبية على بناء الدولة. ولم يعد خافياً أن تجربة اجتثاث البعث في العراق أصبحت تُستحضر اليوم بوصفها نموذجاً لما ينبغي تجنبه، لا لما ينبغي تكراره. وقد أقر بول بريمر، الحاكم المدني للاحتلال الأميركي للعراق آنذاك، في مراجعات لاحقة، بأن بعض القرارات، وفي مقدمتها حل الجيش والتوسع في اجتثاث البعث، كانت من بين الأسباب التي ساهمت في زعزعة استقرار العراق وإنتاج نتائج كارثية لم تكن محسوبة. والدرس المشترك في جميع هذه التجارب أن العدالة الانتقالية تنجح عندما تقوم على المسؤولية الفردية، لا على العقوبات الجماعية. خامساً: ماذا يؤشر هذا المشروع سياسياً؟ لا يمكن قراءة مشروع العزل السياسي بمعزل عن السياق العام. فحتى الآن لم تشهد سورية انتقالاً ديمقراطياً بالمعنى الدستوري، ولم تُجر انتخابات عامة، بينما تركزت السلطة بيد قوى ذات مرجعية إسلاموية وصلت إلى الحكم في ظروف استثنائية، في ظل بيئة إقليمية ودولية معقدة، وما رافقها من تفاهمات ودعم خارجي تناولته تقارير وتحليلات عديدة. كما أن معظم الإجراءات التي اتخذت منذ انتقال السلطة تشير إلى اتجاه نحو تركيز السلطة، وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤية سياسية وأيديولوجية محددة. ومن هذا المنطلق، يبدو مشروع العزل السياسي جزءاً من عملية إعادة تشكيل المجال السياسي، بحيث يجري استبعاد قطاع واسع من النخب السابقة قبل أن تتاح للسوريين فرصة اختيار نظامهم السياسي عبر انتخابات حرة. ويمكن الجزم بدوافع السلطة من خلال اتساع نطاق المشروع، وتوقيته، وصياغاته الفضفاضة، ما يعكس توجهاً لإعادة رسم الخريطة السياسية من أعلى، والسيطرة المطلقة لطائفة هيئة تحرير الشام، ومناصريها فقط على كل مفاصل الدولة، والحياة السياسية. ويبرز هنا سؤال لا يمكن تجاهله: هل سيشمل العزل السياسي أيضاً أولئك الذين كانوا من أبرز رموز الفساد والانتهاكات في المرحلة السابقة، ثم غيّروا ولاءاتهم والتحقوا بالسلطة الجديدة؟ أم أن معيار العزل سيكون الانتماء السابق فقط، بينما يصبح تغيير الولاء سبباً للإعفاء؟ وهو سؤال يرتبط مباشرة بمبدأ المساواة أمام القانون وعدم الانتقائية في تطبيقه. فالعدالة التي تطبق بمعايير مزدوجة لا تبني دولة قانون، بل تؤسس لفقدان الثقة بالمؤسسات منذ ولادتها. سادساً: ما هي المخاطر السياسية والاجتماعية؟ إن أخطر ما في المشروع أنه قد يؤدي إلى تحويل الانقسام السياسي إلى انقسام قانوني دائم. فعندما يشعر مئات الآلاف، وربما الملايين، من المواطنين بأنهم مستبعدون من الحياة العامة بسبب ماضيهم الوظيفي أو السياسي، فإن ذلك لا يضعف شعورهم بالانتماء إلى الدولة الجديدة فحسب، بل يزرع شعوراً دائماً بالغبن والإقصاء، وهو ما يزيد احتمالات الاحتقان السياسي والاجتماعي. كما أن استبعاد هذا العدد الكبير من القضاة، والإداريين، والضباط، والأكاديميين، والخبراء، قد يحرم الدولة من خبرات تراكمت عبر عقود، ويجعل إعادة بناء مؤسساتها أكثر صعوبة. والأخطر من ذلك أن الإقصاء الجماعي لا ينهي الصراع، بل يعيد إنتاجه بأشكال جديدة، لأن المجتمعات لا تستقر عندما يشعر جزء كبير منها بأنه فقد حقه في المشاركة في مستقبل وطنه. إن أخطر ما قد ينجم عن هذا المشروع ليس مجرد إقصاء سياسي، بل دفع شرائح واسعة من المجتمع إلى الاعتقاد بأن القانون لم يعد يحميهم، بل يستهدفهم. وعندما يفقد القانون حياده، تتحول العدالة إلى مصدر جديد للصراع، وتصبح الدولة نفسها طرفاً في الانقسام، بدلاً من أن تكون الإطار الجامع لجميع مواطنيها. سابعاً: ما البديل؟ البديل ليس الإفلات من العقاب، بل العدالة الحقيقية. أي محاسبة كل من ارتكب جرائم من خلال قضاء مستقل، واحترام مبدأ المسؤولية الفردية، وضمان حق الدفاع والطعن، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وإطلاق مصالحة وطنية شاملة تقوم على الحقيقة والإنصاف، لا على الانتقام والإقصاء. فالدول لا تبنى بإبعاد مواطنيها، وإنما بإشراكهم في بناء مستقبلها، ضمن دولة قانون تحترم المساواة بين جميع المواطنين، وتفصل بين المسؤولية الجنائية الفردية والانتماءات السياسية أو الوظيفية. ثامناً: وأخيراً إن أخطر ما يكشفه مشروع قانون العزل السياسي ليس عدد الأشخاص الذين قد يشملهم، وإنما الفلسفة التي يقوم عليها. فإذا تحولت العدالة الانتقالية إلى وسيلة لإعادة تشكيل المجتمع وفق معيار الولاء السياسي أو الأيديولوجي، فإنها تفقد مشروعيتها القانونية والأخلاقية، وتتحول إلى أداة لإنتاج انقسامات جديدة قد تمتد آثارها لأجيال. لقد دفعت سورية ثمناً يفوق الوصف خلال أكثر من خمسة عشر عاماً من الحرب والدمار والانقسام والتهجير، ولم يعد السوريون يحتملون أن تتحول القوانين إلى أدوات لتصفية الحسابات أو إعادة توليد الانقسام بصيغ جديدة. إن سورية ليست ملكاً لسلطة، ولا لحزب، ولا لأيديولوجيا، ولا لجماعة، ولا لمن انتصر في معركة، بل هي وطن لكل السوريين، بكل أطيافهم وانتماءاتهم وذكرياتهم وآلامهم. ولا يمكن لوطن أنهكته الدماء أن ينهض إذا استبدل جداراً بجدار، أو إقصاءً بإقصاء، أو استبداداً بآخر. فالأوطان لا تبنى بالثأر، بل بالعدالة، ولا تحفظ بالانتقام، بل بالمصالحة، ولا تستعيد روحها إلا عندما يشعر كل مواطن أن له مكاناً فيها، وأن مستقبله لا يصادر بسبب ماضيه، وأن القانون يحميه ولا ينتقم منه. فالعدالة الانتقالية لا تُقاس بعدد من يُقصَون من المجال العام، بل بقدرتها على الجمع بين المحاسبة والإنصاف، وصون الحقوق، ومنع تكرار الانتهاكات، وتهيئة الأساس لدولة قانون يتساوى فيها جميع المواطنين أمام القضاء. ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل تشريع، وكل خطاب سياسي، وكل مشروع للمرحلة المقبلة هو: هل نريد أن نكتب الصفحة الأخيرة من الحرب السورية، أم أننا، من حيث ندري أو لا ندري، نؤسس لحرب أهلية مؤجلة تتوارثها الأجيال القادمة؟ ============================================================================================= كل ما جرى وما يجري في سورية بدءا من تغيير دورها الوظيفي وتدمير الدولة ومؤسساتها وأهمها الجيش العربي السوري والثورة المضادة فيها ونجاح العدوان عليها منذ أكثر من ثمانين عاما ، وتسليم الحكم فيها لسلطة الأمر الواقع هي فعليا عصابات إرهابية تمثل السلطة القائمة بالاحتلالات الأمريكية والتركية والصهيونية الإستيطانية ، بهدف تدمير أية إمكانية للمقاومة مهما كان اتجاهها السياسي والفكري وتدمير محور المقاومة في سبيل الهيمنة الأمريكية وتكريس القطب الواحد وتحويل الصراع من صراع عربي صهيوأمريكي تحرري إلى صراع إقليمي بين قوى العدوان الاحتلال التركي العثماني الجديد والإستيطان الصهيوني لهدف ما يسمى إسرائيل الكبرى أي لصراع على إعادة تقسيم سورية إلى محميات إثنية وطائفية بعد تمزيق نسيجها الأجتماعي لغايات التغييرات الديموغرافية فيها وزوالها وإبقاء الأمور فيها تحت صفيح بركان هوياتي برامجي بكل الصعد وكل المستويات للإبقاء على شرعية وواقعية الاحتلالات والحاجة إلى وجودها ودورها ، أما الحل فبرايي يبدأ من تبني المقاومة الشعبية مهما كانت الإمكانات ، ومحاربة أولا الإرهابيين السوريين - من اقصى اليمين إلى أقصى اليسار - الذين تبنوا الأجندة السياسية لدول العدوان على سورية وارتضوا أن يكونوا أدوات مطيعة ومؤثرة في نجاح العدوان بخسارة قليلة أو متوسطة لدول العدوان ، ثم محاربة الإرهاب الأجنبي الدخيل على سورية . هذا بتصوري بداية كل عمل أو نشاط سياسي لتخليص سورية من واقعها الراهن .

القانون الموضوعي الحاكم لظاهرة النقود : مقاربة منهجية في ضوء مدارس الفكر الاقتصادي والاقتصاد السياسي .

مقدمة : إشكالية القانون الموضوعي تعد النقود من أكثر الظواهر الاقتصادية إثارة للجدل في تاريخ الفكر الاقتصادي . فالسؤال عن القانون الموضوعي الذي يحكمها ــ أي القانون العام المستقل عن إرادة الأفراد والمؤسسات ــ يقع في صلب الصراع النظري بين المدارس الاقتصادية المختلفة . فبينما ترى بعض المدارس أن هذا القانون هو قانون سوقي - أي مرتبط بالسوق - طبيعي ، ترى مدارس أخرى أنه قانون سياسي اجتماعي ، بينما تذهب مدرسة الإسكندرية للاقتصاد السياسي إلى أن المسألة برمتها تحتاج إلى إعادة طرح من جذورها . يهدف هذا المقال إلى تقديم مقاربة منهجية علمية للقانون الموضوعي الحاكم لظاهرة النقود ، من خلال استعراض آراء مختلف المدارس الاقتصادية (الكلاسيكية ، النمساوية ، الكينزية ، النقدوية) ثم الاقتصاد السياسي (الماركسي ) ومدرسة الإسكندرية ، وصولًا إلى صياغة تصور جامع . أولاً: النقود في ضوء المدارس الاقتصادية التقليدية 1. المدرسة الكلاسيكية : النقود كحجاب تنظر المدرسة الكلاسيكية إلى النقود على أنها مجرد وسيط للتبادل وأداة لقياس القيم ، دون أن تعطيها وظيفة مخزن القيمة بنفس الأهمية . فالنقود في نظرهم هي حجاب يغطي المعاملات الحقيقية ، ولا تؤثر في المتغيرات الاقتصادية الحقيقية كالإنتاج والتوظيف . القانون الموضوعي في هذا المنظور يقوم على نظرية كمية النقود ، التي تفترض وجود علاقة طردية بين كمية النقود ومستوى الأسعار . وهذا القانون يفترض حيادية النقود ، أي أن تغير كميتها يغير الأسعار بنفس النسبة دون تغيير القيمة الحقيقية . لكن هذا الطرح يواجه إشكالية جوهرية : فإذا كانت النقود مجرد حجاب ، فكيف نفسر تأثير السياسات النقدية على النشاط الاقتصادي ؟ 2. المدرسة النمساوية : النقود كسلعة تنبثق من السوق تقدم المدرسة النمساوية رؤية مغايرة جذريًا . فالنقود ، بحسب كارل منجر ولودفيج فون ميزس ، تنشأ في السوق بشكل تلقائي لحل مشكلة مقايضة الاحتياجات المزدوجة ، ويختار لهذا الغرض السلعة الأكثر قابلية للتسويق . القانون الموضوعي هنا يقوم على فكرة أن النقود سلعة تخضع لقوى السوق نفسها التي تخضع لها أي سلعة أخرى ، وأن قيمتها الشرائية تعتمد على مقدار المعروض منها ومقدار الطلب عليها . وتنفي المدرسة النمساوية أن تكون النقود مقياسًا موضوعيًا للقيمة ، لأن القيمة ذاتية ولا تخضع لمعيار موضوعي . لكن هذا الطرح يثير تساؤلاً : إذا كانت النقود مجرد سلعة ، فكيف نفسر قدرتها الفريدة على تسوية الديون وإنهاء الالتزامات ؟ 3. المدرسة الكينزية : النقود كأداة للسياسة الاقتصادية . قلب كينز الطاولة على الكلاسيكيين ، معتبرًا أن النقود ليست محايدة على الإطلاق . فركز على دافع المعاملات، ودافع الاحتياط ، ودافع المضاربة كدوافع للطلب على النقود . والأهم أن كينز رأى أن وظيفة مخزن القيمة تشكل تهديدًا للنشاط الاقتصادي ، لأن الادخار على حساب الإنفاق يؤدي إلى الركود. القانون الموضوعي في الرؤية الكينزية هو أن عرض النقود متغير خارجي يتحدد من قبل السلطات النقدية (البنك المركزي) ، وبالتالي يمكن استخدامه كأداة للتحكم في مستوى النشاط الاقتصادي . 4. المدرسة النقدية (النقدوية) : العودة إلى النقود مع ميلتون فريدمان ، عاد التركيز إلى النقود ولكن بطريقة مختلفة . فالمدرسة النقدية تعترف بأن تغير عرض النقود سيؤدي إلى تشوش وخلل في وظيفتي المقياس والمخزن . وهي تؤمن بأن التضخم ظاهرة نقدية بامتياز، وأن التحكم في عرض النقود هو السبيل الوحيد لاستقرار الأسعار . القانون الموضوعي هنا هو أن معدل نمو عرض النقود هو المحدد الرئيسي لمعدل التضخم على المدى الطويل . لكن هذا الطرح يعاني من تبسيط مفرط ، إذ يتجاهل العوامل الهيكلية والمؤسسية التي تؤثر في الأسعار . ثانياً: النقود في ضوء الاقتصاد السياسي 1. المنظور الماركسي : النقود كعلاقة اجتماعية ينطلق الاقتصاد السياسي الماركسي من فكرة أن النقود ليست مجرد أداة تقنية ، بل هي علاقة اجتماعية تعكس تناقضات نمط الإنتاج الرأسمالي . فالنقود هي الصورة المتطورة للقيمة ، وهي التجسيد المادي لعلاقات الإنتاج البرجوازية . القانون الموضوعي في هذا المنظور يقوم على قانون القيمة ، حيث النقود هي المقياس الخارجي للقيمة التي يحددها وقت العمل الاجتماعي الضروري . لكن ماركس ذهب إلى أبعد من ذلك ، إذ كشف أن النقود في الرأسمالية تتحول إلى رأس مال ، وتصبح أداة لاستغلال العمل من خلال فائض القيمة . وهذا ما يفسر لماذا - الذي يتحكم ويسيطر على صك النقود وإصدارها سيسيطر على توزيع الثروة والدخل - . 2. مدرسة الإسكندرية للاقتصاد السياسي : نقد الأسس ذاتها . تمثل مدرسة الإسكندرية ، التي أسسها الدكتور محمد عادل زكي ، محاولة لاستئناف مسيرة الاقتصاد السياسي بعد قرنين من التوقف النظري ، وإعادة الأسئلة الكبرى إلى قلب البحث العلمي. وتقوم رؤيتها على عدة مبادئ منهجية : أولاً: نقد المركزية الأوروبية . ترى المدرسة أن الاقتصاد السياسي قد هيمنت عليه المركزية الأوروبية ، مما حدد ركائزه وصاغ مبادئه بمنتهى العنصرية . ولذلك تسعى إلى تحرير الاقتصاد السياسي كعلم اجتماعي من هذه المركزية ، ليصبح علمًا إنسانيًا عالميًا . ثانيًا : العودة إلى النصوص الأصلية . تؤمن المدرسة بضرورة العودة إلى النصوص الأصلية لرواد الاقتصاد السياسي ــ من ويليام بيتي إلى كارل ماركس ــ ولكن بقراءة نقدية مستقلة ، بعيدًا عن التفسيرات المدرسية المتراكمة . ثالثًا : الكشف عن الانقطاعات النظرية . يكشف المشروع أن تاريخ الاقتصاد السياسي لم يكن مسارًا متصلًا ، بل عرف انقطاعات وإقصاءات وتسويات نظرية أدت إلى تهميش كثير من القضايا الأساسية . رابعًا : البحث عن قوانين الحركة . تسعى المدرسة إلى البحث عن قوانين حركة النشاط الاقتصادي في حضارات العالم القديم والوسيط ، من بابل ومصر إلى الأندلس ، بقصد نفي قصر الرأسمالية على غرب أوروبا . 3. الموقف من وظائف النقود: نقد جذري تقدم مدرسة الإسكندرية ، من خلال تحليل د . محمد عادل زكي لوظائف النقود ، نقدًا جذريًا للمفاهيم التقليدية : · وظيفة وسيط التبادل هي الوظيفة الحقيقية والوحيدة التي يمكن إثباتها علميًا . · وظيفة مقياس القيمة مرفوضة ؛ لأن أي نقد (ذهبًا كان أم ورقًا) لا يمكن أن يحدد القيمة ، بل يجب أولاً تحديد القيمة الحقيقية للسلعة (قائم على العمل والطاقة والزمن) ثم التعبير عنها بوحدات نقدية . · وظيفة مخزن القيمة هي وظيفة مفروضة من قبل الدولة ، والنقود لا تخزن إلا قيمتها المفروضة ، وليست مخزنًا حقيقيًا للقيمة المادية . والخلاصة وفق هذا الطرح : أن النقود تؤدي وظيفة واحدة فقط بطبيعتها (وسيط التبادل) ، في حين أن وظيفتي مقياس القيمة ومخزن القيمة هما مفروضتان من قبل سلطة الدولة وليستا حقيقيتين علميًا . ثالثاً : نحو صياغة منهجية للقانون الموضوعي بناء على الاستعراض السابق ، يمكن صياغة القانون الموضوعي الحاكم لظاهرة النقود على النحو التالي : 1. قانون الجدلية الوظيفية تواجه النقود تناقضًا جوهريًا بين وظيفتي وسيط التبادل ومخزن القيمة . فلكي تكون وسيطًا فعالاً يجب أن تنتقل من يد إلى يد (أي تنفق) ، ولكي تكون مخزنًا فعالاً يجب أن تحتفظ بها (أي تدخر) . وهذا التناقض يضع النقود في حالة توتر دائم ، وهو ما يعكس تناقضًا أعمق في نمط الإنتاج الرأسمالي نفسه . 2. قانون التطور التاريخي والاجتماعي النقود ليست اختراعًا ثابتًا ، بل هي ظاهرة تتطور بتطور وسائل الإنتاج والعلاقات الاجتماعية . فمن النقود السلعية (كالذهب والفضة) إلى النقود الورقية ، ثم النقود الإلكترونية والعملات الرقمية ، كل مرحلة تعكس مستوى معينًا من تطور القوى المنتجة والعلاقات الاجتماعية . وهذا القانون لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق التاريخي والاجتماعي الذي تظهر فيه النقود . 3. قانون القوة والهيمنة النقود ، في جوهرها ، هي أداة للهيمنة والتحكم . فمن يسيطر على إصدار النقود يسيطر على توزيع الثروة ، وهذا ما يفسر الصراع الدائم حول السياسات النقدية ودور البنوك المركزية . وفي هذا السياق ، ترى مدرسة الإسكندرية أن النقود تنتج على هذا النحو، مثل جميع السلع ، باستخدام مواد عمل وأدوات عمل وقوة عمل ، مما يعني أن إنتاج النقود يخضع لعلاقات القوة ذاتها التي تخضع لها أي سلعة أخرى . 4. قانون القيمة كقانون موضوعي عام يظل قانون القيمة هو القانون الموضوعي العام الذي يحكم الإنتاج والتوزيع في المجتمع الرأسمالي . وحينما ينكر هذا القانون أو يجري تجاهله ، يتوقف الحديث في علم الاقتصاد السياسي . والنقود ، في هذا السياق ، ليست سوى التعبير الخارجي عن هذا القانون ، ولكنها تعبيره المشوه ، لأنها تخضع لتدخلات سياسية ومؤسسية تحجب قيمتها الحقيقية . خاتمة : نحو علم اقتصاد سياسي متجدد إن القانون الموضوعي الحاكم لظاهرة النقود ليس قانونًا طبيعيًا ثابتًا ، كما تزعم بعض المدارس ، ولا هو قانونًا سوقيًا بحتًا ، كما تذهب المدرسة النمساوية . بل هو قانون اجتماعي تاريخي يتشكل في سياق الصراع الطبقي وتطور العلاقات الإنتاجية .المدارس الاقتصادية المختلفة التقطت جوانب من هذه الحقيقة : الكلاسيكيون أدركوا دور النقود كوسيط ، والنمساويون فهموا نشأتها التلقائية ، والكينزيون كشفوا دورها في النشاط الاقتصادي ، والنقدويون ربطوها بالتضخم . لكن الاقتصاد السياسي ، وخاصة في صياغته المتجددة على يد مدرسة الإسكندرية ، هو الذي يقدم رؤية شاملة تضع النقود في سياقها الاجتماعي والتاريخي ، وتكشف عن كونها ساحة صراع وليس مجرد أداة . وتتمثل مهمة البحث العلمي اليوم في إعادة بناء علم الاقتصاد من جذوره ، كما تدعو مدرسة الإسكندرية، وذلك من خلال : · تحرير الاقتصاد السياسي من المركزية الأوروبية. · العودة إلى النصوص الأصلية بقراءة نقدية مستقلة. · البحث عن قوانين الحركة في مختلف الحضارات. · إعادة النظر في المفاهيم المؤسسة للاقتصاد السياسي، مثل القيمة والتبادل والتراكم . ويبقى السؤال مفتوحًا : هل يمكن للنقود ، في ظل تناقضاتها الوظيفية وهيمنتها الاجتماعية ، أن تكون أداة للتحرير الاقتصادي أم أنها ستظل أداة للهيمنة والاستغلال ؟ الجواب يتوقف ، كما يوحي الاقتصاد السياسي ، على من يتحكم في إصدارها وتوزيعها ، وعلى طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تحكم المجتمع بأسره . وهذه هي القضية التي يضعها الاقتصاد السياسي ، في أفق مدرسة الإسكندرية ، في صلب اهتمامه العلمي والنقدي . ملاحظة : كل تحليل وقراءة يخضعان للحوار والنقاش ؛ فالتدقيق والتصحيح أمر مشروع ومتاح للجميع مع الشكر والتقدير .

الجمعة، 17 يوليو 2026

الريع الرقمي وإشكالية فائض القيمة : قراءة نقدية منهجية في تحولات الرأسمالية المعاصرة ..

مقدمة في السياق المعرفي والمنهجي .. يمثل مقال الرفيق سليمان أحمد الاقتصاد الرقمي والمنصات الإلكترونية : كيف أعادت الرأسمالية تشكيل الطبقة العاملة ؟ محطة نوعية في مسار النقد الماركسي العربي ، غير أنه ليس دعوة في فراغ نظري ، بل يأتي في سياق تراكم معرفي عربي وعالمي تصدى لتحولات الرأسمالية الرقمية . فقد أسس نك داير- ويذرفورد في كتابه Cyber-Marx (1999) للقراءة الماركسية لعالم الشبكات ، موضحاً كيف انتقلت ديناميات الصراع الطبقي إلى الفضاء الرقمي ، وطور كريستيان فوكس المفهوم في Digital Labour and Karl Marx (2014) معيداً تعريف العمل في السياق الرقمي ، وكاشفاً كيف تتحول تفاعلات المستخدمين على الشبكات الاجتماعية إلى عمل مجاني يولد فائض قيمة تحتكره المنصات . كما ساهمت تيزيانا تيرانوفا بمقالتها العمل الحر (2000 ) في صياغة مفهوم العمل غير المأجور في الاقتصاد الرقمي . أما في السياق العربي ، فقد قدم الدكتور تحسين الشيخلي في مقالة الماركسية الرقمية (2023) دعوة لإعادة تشكيل الحياة الرقمية على أسس عادلة ، مستعرضاً جذور هذا الفكر عند داير- ويذرفورد وفوكس . كما تناولت كتابات عماد حسب الرسول الطيب (2026) الثقافة والهيمنة في العصر الرقمي ، وربطت بين ما يسمى الربيع العربي وتحولات الوعي الطبقي ، معتبرة الأدوات الرقمية ساحة للصراع الطبقي . وسبقته مقالات حول الرأسمالية الرقمية في دوريات بعض الأحزاب اليسارية السورية. لكن ما يميز مقال الرفيق سليمان عن هذه الجهود كونه محاولة متكاملة لربط المفاهيم الماركسية بواقع المنصات الإلكترونية بشكل مباشر وصريح . إنه ليس مجرد تحليل أكاديمي ، بل يهدف إلى وضع هذه الأفكار في خدمة الحركة العمالية والنقابية ، مما يجعله تطويراً وتوطيناً للخطاب الماركسي النقدي بامتياز ، شريطة أن نضبط منهجياً الفصل بين ما ينتجه العمال / المستخدمون ( قيمة وفائض قيمة ) وما تستولي عليه المنصات ( ريع رقمي ) . في قراءة نقدية منهجية للأفكار الرئيسية للمقال.. يقدم الرفيق سليمان أحمد مدخلاً سياسياً - اقتصادياً عاماً يهدف إلى فتح النقاش حول تحولات الرأسمالية الرقمية ، مركزاً على ثلاثة محاور : استمرار قانون القيمة رغم الرقمنة ، وبروز الريع الرقمي ، وإعادة تشكيل بنية الطبقة العاملة . غير أن المقال اختصر الجانب المنهجي المعرفي ، أي آلية التحليل الماركسي ( المنهج الجدلي - التاريخي ) التي تقود إلى الربط الصحيح بين هذه المستويات . وهنا يأتي دور التعميق النقدي لتصحيح الخلط بين فائض القيمة ( المصدر ) والريع الرقمي ( أحد أشكال التوزيع ) . فائض القيمة في العصر الرقمي : الأساس المادي للتراكم ( وليس الريع نفسه ) .. يؤكد المقال بحق أن فائض القيمة الناتج عن العمل البشري الحي يبقى الأساس الحقيقي لتراكم رأس المال ، وأن الاقتصاد الرقمي لم يلغ هذا القانون . ففي اقتصاد المنصات ، يتحول وقت الاتصال والانتباه والنشاط اليومي للمستخدمين إلى مصدر لتوليد القيمة . غير أن المقال كان بإمكانه التعمق في كيفية تحول تفاعلات المستخدمين أنفسهم - وليس فقط عمال المنصات التقليديين - إلى مصدر لهذا الفائض ، كما أشار فوكس إلى أن الإعجابات والتعليقات والتصفح تتحول إلى عمل مجاني يولد فائض قيمة أولي ، وهذا الفائض هو الكتلة التي ستعاد توزيعها لاحقاً . من الضروري التمييز هنا بين إنتاج القيمة والاستيلاء عليها . فالمقال يحسن حين يربط فائض القيمة بالعمل الحي ( سواء كان مأجوراً كعمال التوصيل ، أو غير مأجور كتفاعلات المستخدمين ) ، لكنه يحتاج إلى التأكيد أن هذا الفائض يمثل المنبع الأولي ، وليس الريع نفسه . فبدون هذا الفائض الناتج عن استنزاف طاقة البشر، لن يكون هناك أي ريع رقمي يمكن تحصيله . الريع الرقمي : إعادة بناء الجذر المنهجي وتصحيح الخلط بين الكل والجزء .. يعد مفهوم الريع الرقمي أكثر المفاهيم تعقيداً في المقال، وهو أكثرها عرضة للالتباس مع فائض القيمة . ولتصحيح هذا الخلط جذرياً ، لا بد من إعادة بناء منهجية تستلهم المجلد الثالث من رأس المال ، حيث يقسم ماركس فائض القيمة الكلي بعد إنتاجه إلى أشكال مختلفة : أرباح ، فوائد ، وريوع . فالريع الرقمي ليس قيمة تولد من العدم ، وليس بديلاً عن فائض القيمة ، بل هو شكل محدد من أشكال الاستيلاء وإعادة التوزيع لجزء من فائض القيمة الكلي الذي أنتجه العمال والمستخدمون ، وذلك بفضل الموقع الاحتكاري للمنصات . بعبارة أخرى : المنصات العملاقة لا تخلق قيمة جديدة بقدر ما هي جامع ضرائب لفائض القيمة المنتج في كل مكان آخر، وتحوله إلى ريع رقمي بفضل سيطرتها على البنية التحتية وقنوات التوزيع . ويمكن الاستعانة بالتصنيف الثلاثي الكلاسيكي للريع كمنظار لقراءة الظاهرة الرقمية ، مع الانتباه إلى أنها مجرد قنوات لامتصاص فائض القيمة ، وليست مصادر لتوليده : - الريع التفاضلي : الناتج عن فروق الجودة أو الموقع . ويمتد رقمياً إلى فروق جودة البيانات ، وقوة الخوارزميات ، ومدى انتشار القاعدة الجماهيرية للمنصة ، مما يمكنها من جذب المزيد من العمل المجاني ، وبالتالي الحصول على حصة أكبر من فائض القيمة العالمي مقارنة بمنافسيها . - الريع المطلق : الناتج عن مجرد ملكية الأصل ، بغض النظر عن جودته . ويمتد رقمياً إلى ملكية البنية التحتية للخوادم ، وبروتوكولات الشبكة ، والملكية الفكرية للكود البرمجي ، مما يمنح المنصات الحق في الاستيلاء على فائض القيمة حتى لو لم تنتج هي أي سلعة مادية . - الريع الاحتكاري : الناتج عن احتكار سلعة نادرة أو وسيلة توزيع فريدة . وهذا الأقرب إلى المنصات العملاقة التي تفرض عمولاتها وشروطها ليس لأنها الأفضل إنتاجاً ، بل لأنها تحتكر البوابة ذاتها ، وبالتالي تستطيع أن تفرض شروطها في اقتطاع جزء متزايد من فائض القيمة المنتج في مواقع أخرى وتحويله إلى ريع يذهب إلى جيوب المالكين . إذاً ، الريع الرقمي الذي تحدث عنه الرفيق سليمان هو توليفة احتكارية جديدة من الأنواع الثلاثة الكلاسيكية ، يعيد توزيع فائض القيمة المنتج في كل مكان لصالح مالكي المنصات . وهذا يفسر لماذا تحقق منصة مثل أمازون أرباحاً تفوق أرباح المنتجين الذين يبيعون عبرها ؛ فهي لا تخلق قيمة جديدة ( وهذا هو الفصل الجوهري بين المفهومين )، بل تستولي على جزء كبير من فائض القيمة المنتج في كل مكان آخر وتحوله إلى ريع رقمي ، بفضل احتكارها لقنوات التوزيع . فاقتصاد المنصات يمثل شكلاً جديداً من الاحتكار الريعي ، حيث تجرد المنصات العاملين من وسائل الإنتاج وتتحكم بشروط التفاعل وأسعار الخدمات . إعادة تشكيل الطبقة العاملة : تشتت وتبعية جديدة ( وتعميق الاستيلاء على الفائض ) .. يتناول المقال بمهارة تحول الطبقة العاملة من التجمع في مصانع كبرى إلى التوزع في الفضاء الرقمي ، حيث تحل الخوارزميات محل المدير المباشر . غير أن التعمق المنهجي يقتضي الإشارة إلى أن هذا التشكل الجديد يفرز انقسامات داخلية تستوجب استراتيجيات تنظيمية مختلفة : - فئة العاملين الرقمية التقليدية : عمال المنصات ( سائقو التوصيل ، العاملون لحسابهم الخاص ) وهم الأكثر هشاشة ، ويمثلون المصدر المباشر لفائض القيمة في قطاع الخدمات . - الطبقة العاملة التقنية : مهندسو البرمجيات ومطورو التطبيقات في شركات التكنولوجيا الكبرى ، الذين قد تتبنى قطاعات منهم أيديولوجيات برجوازية صغرى ، لكنهم يظلون منتجين لفائض القيمة داخل منظومة الإنتاج الرقمي . كما أن المقال أشار إلى تراجع الأماكن الجماعية للعمل، مما يضعف الروابط اليومية بين العمال ويعزز العزلة الاجتماعية، وهذا يشكل تحدياً موضوعياً للحركة النقابية، لأنه يسهل على المنصات إخفاء آلية استيلائها الريعي على فائض القيمة تحت ستار "المرونة" و"حرية العمل". انطلاقاً من التحليل أعلاه ، يمكن طرح الأسئلة التالية لتطوير النقاش : 1. كيف يمكن قياس فائض القيمة في اقتصاد تقوم فيه المنصات باستخلاص فائض القيمة من العمل المجاني للمستخدمين ، وليس فقط من العمال المأجورين ، وكيف نفصل حسابياً بين هذا الفائض المنتج والريع المستولى عليه ؟ 2. إذا كان الريع الرقمي مجرد أداة للاستيلاء على فائض القيمة ( وليس مصدراً له ) ، فهل تظل المطالبة بتأميم البنية التحتية الرقمية كافية لتحقيق العدالة ، أم أن الأمر يتطلب تجاوزاً لنمط الإنتاج الرأسمالي برمته لمنع تحويل الفائض إلى ريع خاص من الأساس؟ 3. كيف يمكن للحركة النقابية تجاوز التشرذم الذي تفرضه طبيعة العمل على المنصات ، والانتقال من تنظيم عمال المصنع إلى تنظيم عمال الفضاء الرقمي ، بحيث تكشف العلاقة بين أجورهم المهضومة والريع الهائل الذي تجنيه المنصات ؟ 4. إلى أي مدى يمكن اعتبار البيانات الضخمة وسيلة إنتاج جديدة ، وما هي انعكاسات ذلك على نظرية الملكية الخاصة ، خصوصاً أن احتكار هذه الوسيلة هو ما يمنح المنصات قدرتها على تحويل الفائض إلى ريع ؟ يبقى كلام الرفيق سليمان صحيحاً في جوهره : الطبقة العاملة لم تختف ، بل اتسعت بنيتها وتشظت مواقعها ، لكنها تبقى القوة الاجتماعية القادرة على قلب نظام الاستغلال ، بشرط أن تدرك الفرق بين ما تنتجه ( فائض القيمة ) وما يسلب منها ( الريع الرقمي ) . وانطلاقاً من ذلك ، أقترح : · العمل على تطوير أشكال تنظيمية جديدة ( نقابات عمالية رقمية ، صناديق تضامن عابرة للحدود ) تتماشى مع الطبيعة اللامركزية للعمل على المنصات ، بحيث تركز نضالها على كشف آلية تحويل أجور العمال وفائض عملهم إلى ريع للمنصات . · المطالبة بتصنيف عمال المنصات كـ "عمال تابعين" في التشريعات الدولية، وليس مقاولين مستقلين، لرد الاعتبار لعلاقة العمل التبعية، وبالتالي إخضاع عملية الاستيلاء على فائض قيمتهم للرقابة والقوانين العادلة . · النضال من أجل شفافية الخوارزميات ، لأنها أصبحت مديراً آلياً يتحكم بظروف العمل دون رقابة بشرية ، والمطالبة بحق التدقيق البشري في قراراتها ، لكشف كيف تعمل على تعظيم استخلاص فائض القيمة وتحويله إلى ريع رقمي . · ربط النضال العمالي بالنضال من أجل ملكية اجتماعية للبيانات والبنية التحتية الرقمية ، فالتحرر من الاستغلال لا يكتمل دون انتزاع وسائل الإنتاج الجديدة من قبضة الاحتكارات ، أي نقل ملكية أدوات الاستيلاء على فائض القيمة (الريع الرقمي) إلى القطاع العام أو الاجتماعي ، مع بقاء عملية التخطيط للإنتاج خاضعة للرقابة الجماعية ، لا للسوق والاحتكار . Voir moins

الخميس، 16 يوليو 2026

كيف يمكن أن نحقق نتائج مختلفة… ونحن نواصل اعتماد السياسات نفسها ؟ مع تعقيب على المقال

ليست المشكلة في أن تضع الدولة أهدافًا طموحة. فكل الشعوب تحتاج إلى الطموح، وكل الاقتصادات تحتاج إلى رؤية للمستقبل. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الأهداف المعلنة تسير في اتجاه، بينما السياسات المطبقة على أرض الواقع تسير في اتجاه معاكس. وهذا، في تقديري، أحد أخطر الاختلالات التي تعاني منها تونس اليوم. فكيف يمكن تفسير هذه المفارقات؟ أولًا: دولة ترزح تحت جبل من الديون… لكنها لا تعتمد قانونًا شاملاً لمقاصة الديون. في الوقت الذي تعاني فيه المالية العمومية من ضغوط غير مسبوقة، وتجد المؤسسات العمومية والخاصة نفسها مدينة للدولة، وفي المقابل دائنة لها، يبقى مشروع قانون المقاصة مؤجلًا. مع أن هذه الآلية لا تتطلب تمويلًا جديدًا، ولا تزيد في الكتلة النقدية، ولا تمثل إعفاءً من الديون، بل هي مجرد إعادة ترتيب للحقوق والالتزامات بين مختلف الأطراف. ولو تم اعتمادها بجدية، لأمكن: • تخفيف الضغط على الخزينة. • تحسين سيولة المؤسسات. • تقليص الحاجة إلى الاقتراض. • تحرير موارد مالية يمكن توجيهها إلى الاستثمار بدل خدمة الدين. إنها من الإصلاحات التي تحقق نتائج كبيرة بكلفة شبه معدومة. ⸻ ثانيًا: دولة يعادل فيها العجز الطاقي أحد أكبر مصادر استنزاف العملة الصعبة… لكنها لا تعبئ كل قدراتها لإنتاج الكهرباء. العجز الطاقي لم يعد مجرد رقم في الميزان التجاري. لقد أصبح أحد أهم أسباب ضعف احتياطي النقد الأجنبي، وارتفاع المديونية، وتدهور القدرة التنافسية للمؤسسات. ورغم ذلك، لا تزال استثمارات الشركة التونسية للكهرباء والغاز في إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة محدودة، تحت مبرر فتح المجال أمام الاستثمار الخاص. لكن لماذا نضع القطاعين في مواجهة بعضهما؟ أليس الأولى أن تعمل الدولة والقطاع الخاص معًا؟ فالستاغ تمتلك الخبرة، والشبكات، والكفاءات، ويمكنها إنجاز مشاريع استراتيجية بالشراكة مع القطاع الخاص، لا بالتراجع أمامه. كل ميغاواط جديد من الطاقة المتجددة يعني: * واردات أقل من الغاز. * ضغطًا أقل على احتياطي العملة. * عجزًا تجاريًا أقل. * كهرباء أقل كلفة. * تنافسية أكبر للاقتصاد الوطني. * وسيادة طاقية أقوى. وفي ظل الأزمة الحالية، فإن تعطيل أي استثمار منتج للطاقة هو في حد ذاته كلفة اقتصادية يومية. ⸻ ثالثًا: دولة تعاني من ركود تضخمي… لكنها تراهن على معدل نمو بـ4.2% واستثمارات تتجاوز 100 مليار دينار. هذا الهدف ليس مستحيلًا. لكنه لن يتحقق بمجرد إدراجه في وثيقة رسمية. فالاقتصاد لا ينمو بالتصريحات. إنما ينمو عندما تتوفر: * الثقة. * الاستقرار. * التمويل. * الحوكمة. * العدالة الجبائية. * إدارة فعالة. * قضاء اقتصادي سريع. * وسياسات نقدية ومالية متناسقة. أما إذا بقي الاستثمار العمومي ضعيفًا، والاستثمار الخاص مترددًا، والإصلاحات بطيئة، فإن الأرقام ستبقى حبرًا على ورق. ⸻ رابعًا: دولة تريد تعبئة أكثر من 100 مليار دينار من الاستثمارات… لكنها لا تزال تبقي على أهم العوائق التي تمنع الاستثمار. كيف يمكن إقناع المستثمر بضخ أمواله في اقتصاد يعاني من: * ارتفاع كلفة التمويل؟ * بطء الإجراءات الإدارية؟ * تعدد التراخيص؟ * غياب الاستقرار الجبائي والتشريعي؟ * ضعف الرقمنة؟ * طول آجال التقاضي؟ * وصعوبة النفاذ إلى التمويل؟ إن الاستثمار لا يُفرض بالقوانين، بل يُستدرج بالثقة. ورأس المال لا يبحث فقط عن الربحية، بل يبحث أيضًا عن الوضوح، والاستقرار، وسرعة اتخاذ القرار. ⸻ القضية ليست في الأرقام… بل في مدى انسجام السياسات مع الأهداف. فالاقتصاد ليس علم الأمنيات. إنه علم الأسباب والنتائج. إذا كانت السياسات نفسها تنتج منذ سنوات نموًا ضعيفًا، واستثمارًا محدودًا، وعجزًا متفاقمًا، ومديونية متزايدة… فبأي منطق نتوقع أن تنتج، غدًا، نتائج مختلفة؟ إن تونس لا تحتاج اليوم إلى أهداف أكثر طموحًا فقط. بل تحتاج قبل ذلك إلى شجاعة سياسية تعيد ترتيب الأولويات، وإلى جرأة إصلاحية تجعل كل السياسات العمومية تعمل في الاتجاه نفسه. فالنجاح الاقتصادي لا يصنعه حجم الأهداف المعلنة… بل يصنعه اتساق القرارات التي تقود إليها Abdelbasset Sammari ========================================================================================================================================== المقال يقدم تشخيصاً دقيقاً للأعراض مثل الاختلالات المالية ، العجز الطاقي ، ضعف الاستثمار ، ويحمل مسؤولية ذلك لـعدم اتساق السياسات وضعف الإرادة السياسية . لكن من منظور نقدي ، يظل هذا التحليل محصوراً في سطح الظاهرة ( الدائرة التداولية والمالية ) ، بينما يكمن جوهر الأزمة في بنيان الإنتاج وعلاقات الملكية وطبيعة الدولة نفسها و لتطوير النقاش ، يمكن مقاربة النقاط الأربع التي طرحتها بالشكل التالي ، أزمة الديون والمقاصة ليست تقنية ، بل صراع طبقي على فائض القيمة . المقال يقترح مقاصة الديون كحل محايد لتحسين السيولة. النقد يتجاوز هذا الطرح فالدولة في تونس ( كدولة رأسمالية تابعة ) ليست وسيطاً محايداً بين الدائنين والمدينين ، بل هي أداة لضمان استمرار تراكم رأس المال لصالح الفئة المالية ( البنوك والبرجوازية التجارية ) . تأجيل مقاصة الديون ليس خطأً إدارياً ، بل هو تعبير عن صراع داخل النخبة الحاكمة ؛ فالبنوك ( المقرضة للدولة ) تستفيد من أسعار الفائدة المرتفعة على الدين العمومي ، وتحويل أموال الخزينة لخدمة هذا الدين هو بمثابة نقل جماعي لفائض القيمة المنتج من قبل العمال والفلاحين إلى جيوب الممولين . الحل لا يكمن في إعادة ترتيب الحقوق ، بل في إعادة هيكلة الملكية وإخضاع القطاع المالي لخدمة الإنتاج وليس للربا وتكديس الأرباح . أزمة الطاقة ليست عجزاً في الإنتاج ، بل تعبير عن التبعية للإمبريالية ، المقال يدعو للتعاون بين الستاغ والقطاع الخاص لإنتاج الطاقة المتجددة . الواقع علينا أن ننظر للطاقة كسلعة استراتيجية وليس كبضاعة عادية . فتح المجال للقطاع الخاص ( خاصة الأجنبي ) في الطاقة لا يعني بالضرورة سيادة طاقية ، بل قد يعني خصخصة الأرباح وتأميم الخسائر ( تبقى شبكات النقل والتوزيع مملوكة للدولة تتحمل تكاليفها ، بينما تذهب أرباح الإنتاج للمستثمرين ) . المشكلة الجوهرية هي أن النموذج التنموي التونسي قائم على استيراد التكنولوجيا والمواد الأولية ؛ لذا فإن إنتاج الكهرباء محلياً ، وإن كان مهماً ، لا يكسر التبعية طالما أن وسائل الإنتاج ( الألواح ، التوربينات ، التمويل ) مستوردة وتصدر فائض القيمة نحو الخارج . برأيي أن الحل الجذري هو في التخطيط المركزي للطاقة ضمن سياق تنمية صناعية وطنية تنتج وسائل الإنتاج بنفسها . النمو بـ4.2% والاستثمار بـ100 مليار : وهم الثقة في ظل تناقض الرأسمالية ؛ فالمقال يربط النمو بالثقة ، والاستقرار، والحوكمة . بينما الرأسمالية بطبيعتها تعاني من أزمات دورية ؛ فانخفاض معدل الربح في القطاعات الإنتاجية ( الصناعة والفلاحة ) يدفع رأس المال نحو المضاربة والعقار والتجارة ( القطاعات غير المنتجة ) . عندما يطالب المقال بالعدالة الجبائية وتوحيد السياسات ، فهو يخاطب الدولة وكأنها كيان فوق طبقي يمكنه إجبار رأس المال على الاستثمار . لكن الواقع أن الدولة التونسية ، ببيروقراطيتها ، هي انعكاس للتوازنات الطبقية ؛ فالبرجوازية التجارية المستفيدة من الاستيراد تعارض الإصلاحات الجبائية ، والبرجوازية العقارية تعارض توجيه الائتمان نحو الإنتاج . لذا ، فإن استمرار السياسات نفسها ينتج النتائج نفسها ، ليس بسبب غياب الشجاعة ، بل لأن أي تغيير جوهري في السياسات سيمس مباشرة بمصالح الطبقات المسيطرة على جهاز الدولة . عوائق الاستثمار: ليست إدارية، بل هيكلية ( ضعف السوق الداخلية ) ، المقال يعدد العوائق ( الإجراءات ، القضاء ، التمويل ) . الواقع التاريخي يدفعنا لإضافة عائقاً أكثر عمقاً : ضآلة القوة الشرائية للجماهير. فلماذا يستثمر رأس المال في توسيع الإنتاج في تونس طالما أن السوق الداخلية منكمشة بسبب تراجع الأجور الحقيقية وارتفاع البطالة ؟ التركيز على جذب الاستثمار الخارجي هو هروب من المعضلة الأساسية : لا يمكن تحقيق نمو دائم دون إعادة توزيع جذري للثروة لتعزيز الطلب الداخلي . الإصلاحات الإدارية لن تجذب المستثمر طالما أن معدل الاستهلاك المحلي متراجع . لتطوير النقاش نحو رؤية منهجية ، اقترح المحاور الأتية : فالمشكلة ليست في أن السياسات لا تسير باتجاه الأهداف ، بل في أن الأهداف نفسها ( نمو رأسمالي قائم على التصدير والاستثمار الأجنبي ) هي التي أوصلتنا إلى المأزق . الحل هو في تغيير نمط الإنتاج عبرالانتقال إلى اقتصاد موجه نحو تلبية الاحتياجات الاجتماعية ( السكن ، الصحة ، التعليم ، الغذاء ) بدلاً من اقتصاد موجه نحو تحقيق أرباح لرأس المال . الدولة ليست حكماً ، بل ساحة صراع : بدلاً من مناشدة الدولة أن تتشجع، يجب تفكيك تركيبتها الطبقية . فالإصلاح الحقيقي لا يأتي من قرارات وزير أو رئيس حكومة ، بل من إعادة هيكلة مؤسسات الدولة بحيث تصبح أداة في يد الطبقات الشعبية ( العمال ، الفلاحون ، الموظفون الصغار ) وليس في يد النخب المالية والإدارية التي تستفيد من الوضع الراهن . المقال يتعامل مع الموارد المالية والطاقية كأنها ندرة طبيعية ، بينما الندرة هي نتاج اجتماعي لتوزيع غير عادل . فتونس تملك موارد بشرية وطبيعية ؛ لكنها تستنزف لخدمة الديون الخارجية واستيراد الحاجيات الكمالية للطبقات العليا . الحل هو فرض رقابة شعبية على حركة رأس المال وإعادة توجيه الادخار الوطني نحو التصنيع بدلاً من تمويل عجز الميزانية . إن نقدي للمقال ليس رفضاً لتشخيصه ، بل تعميقاً له . فالمقال يرى أن السياسات الخاطئة هي السبب ، ونحن نضيف أن تلك السياسات هي النتيجة الحتمية لبنية اجتماعية تقوم على الاستغلال الطبقي . طالما أن وسائل الإنتاج الرئيسية ( البنوك ، الشركات الكبرى ، الأراضي ) ملك لفئة ضيقة ، وأن الدولة مرتهنة لصندوق النقد وللممولين الأجانب ، فإن أي محاولة لإصلاح السياسات ستظل تراوح مكانها . النقلة النوعية لا تحتاج إلى جرأة إصلاحية بقدر ما تحتاج إلى تحول في ميزان القوى الاجتماعية لصالح الطبقات المنتجة ، وهو ما يتجاوز بكثير حدود السياسات المالية والإدارية .

سورية: نموذجاً للثورة المضادة .. إعادة تعريف المصطلحات وكشف الآليات

في خضم الجدل الفكري والسياسي حول التحولات التي شهدتها المنطقة العربية ، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة ما جرى في سورية . هل كان مشروعاً ثورياً فاشلاً ، أم أنه يمثل نموذجاً متكاملاً للثورة المضادة بمعناها السياسي العميق ؟ الإجابة على هذا السؤال تتطلب تجاوز النظرة السطحية التي تخلط بين الفشل الذاتي والاستهداف الخارجي ، وإعادة تعريف المصطلحات بمنأى عن الانطباعات الرومانسية أو السوداوية . الثورة المضادة لا تعني قمع المطالب ، بل اختطافها الانطلاق من مسلمة أن المطالب الشعبية السورية ( مثل التحرر من الفساد ، تحسين الأوضاع المعيشة ، الحريات السياسية ) كانت مشروعة ، هو الأساس الذي لا يمكن تجاوزه . لكن جوهر المشكلة لم يكن في هذه المطالب ، بل في الآلية التي تم بها توظيفها. فالثورة المضادة ، كما نعرفها ، لا تتمثل في قمع المطالب الشعبية بقدر ما تتمثل في اختطافها واستغلالها كأداة لتحقيق أجندات خارجية . في الحالة السورية ، تحولت هذه المطالب المشروعة إلى تروس في آلة سياسية وعسكرية ، قادتها قوى إقليمية ودولية ( أمريكية ، تركية ، صهيونية ) بهدف واضح : ضرب الدور الوطني السيادي لسورية ، وتفكيك موقعها كجزء من محور المقاومة ، والتحضير لتقسيمها . إن المشروع التدميري الذي ألزمت به الفصائل الإرهابية المسلحة لم يكن مشروع إصلاح دولة ، بل كان مشروع تدمير الدولة ومؤسساتها الوطنية وأولها الجيش العربي السوري و تغيير النظام السياسي ، وقبولاً بالاحتلالات ، واستبدالاً للسيادة الوطنية بالوصاية الخارجية . الإغفال الفاضح للعامل الجيوسياسي أي قراءة للتحولات السورية تهمل البعد الجيوسياسي ، تكون قراءة ناقصة ومضللة ؛ فتحميل الشعب وحده مسؤولية ما جرى ، والنظر إلى الداخل بمعزل عن الخارج ، هو تجاهل لدور العامل الخارجي الذي كان فاعلاً ومؤثراً بدرجة لم تشهدها معظم الثورات التاريخية . في سورية ، لم نكن أمام حراك شعبي عفوي واجه قمعاً داخلياً فقط ، بل أمام تحالف دولي- إقليمي ضخم ، ضم حلف الناتو والاحتلالات الأمريكية والتركية والصهيونية ، إضافة إلى تمويل عربي خليجي ، عمل على تسليح وشرعنة أطراف إرهابية استخدمت أشد الأسلحة فظاعة ، وصولاً إلى استخدام السلاح الكيماوي كذريعة للتدخل العسكري الأجنبي . هذا التداخل بين العدوان الخارجي والاستغلال الداخلي هو ما يحدد طبيعة الثورة المضادة ، التي تختلف جذرياً عن أي ثورة وطنية أو تغيير مدني . قياس غير دقيق .. الثورات التاريخية والسياق المحصن المقارنة بين ما جرى في سورية والثورات التاريخية الكبرى ( كالثورة الفرنسية ، الروسية ، أو الإيرانية) هي مقارنة غير دقيقة ، إن لم تكن مغرضة . تلك الثورات ، رغم تعقيداتها ، نشأت في سياقات جغرافية وجيوسياسية مختلفة ، وحظيت في مراحل معينة بـحصانة نسبية ، أو لم تتحرك ضدها كل القوى العظمى بشكل موحد ومتصاعد منذ اللحظة الأولى . بينما في سورية ، كان العدوان الخارجي منظماً ومسبقاً ، واستهدف شل أي إمكانية لنجاح التحول الوطني . لذلك ، فإن وصف ما جرى بأنه فشل ثوري هو وصف سياسي يخلط بين الفاعل والمفعول به ؛ إنه ، في الحقيقة ، حديث عن نجاح العدوان وليس عن فشل المشروع الوطني . المشروع الوطني السوري لم يهزم في الداخل ، بل تم تغييبه بقوة السلاح والإرهاب الخارجي . نحو إعادة تعريف دقيقة للمصطلحات الخروج من دائرة التعميمات السلبية التي تنظر إلى قطار الثورات العربية من نافذة نتائجه المؤلمة فقط ، هو ضرورة فكرية . الرد على هذا الخطاب لا يكون بالدفاع عن عيوب الأنظمة السابقة ، بل برفض منطق تحميل الشعوب وحدها وزر ما جرى . المفتاح لفهم الحالة السورية يكمن في التفريق المفاهيمي بين : 1. ثورة التحرر الوطني : التي تستهدف الاستقلال والسيادة . 2. ثورة التغيير المدني : التي تستهدف الإصلاح الداخلي . 3. الثورة المضادة : التي تختطف المطالب الشعبية لتستخدم كغطاء لتدمير الدولة وإخضاعها لمشاريع استعمارية جديدة . سورية ، بكل ما جرى فيها ، هي النموذج الأكثر وضوحاً لهذا النوع الثالث . وإدراك ذلك هو الخطوة الأولى نحو قراءة صحيحة لماضيها ، وفهم عميق لحاضرها ومستقبلها .

الأربعاء، 8 يوليو 2026

التجربة الصينية والمنهج الماركسي: قراءة في التاريخ لا في النصوص! د. طنوس شلهوب

أتوجه بداية بالشكر إلى الرفيقين جاك عزيز وسليمان أحمد على تعقيبيهما على النص الذي كتبته عن التجربة الصينية (مع رفاق وأصدقاء أخرين، الا ان تعليقهما على صفحتي وعلى صفحة مشروع اورورا الاعلامي، تناول بعض الإشكاليات التي برأيي تحتاج للتوضيح والتوقف عندها بعمق بالعودة الى التجربة التاريخية، ويمكن تلخيص أطروحة الرفيقين في فكرة مركزية واحدة: إن اتساع السوق، ونمو القطاع الخاص، وظهور البرجوازية، واتساع علاقات العمل المأجور، كلها مؤشرات تدل على أن علاقات الإنتاج في الصين تسير في اتجاه رأسمالي، وبالتالي فإن القيادة السياسية للحزب الشيوعي، مهما كانت طبيعتها، لا تكفي وحدها للحكم على النظام بأنه اشتراكي)، فالنقاش الذي أثارته التجربة الصينية ليس نقاشاً عابراً، بل يمس إحدى أكثر القضايا إشكالية في الفكر الاشتراكي المعاصر: كيف تُبنى الاشتراكية في عالم يهيمن عليه النظام الرأسمالي؟ وهل توجد صيغة واحدة صالحة لكل زمان ومكان، أم أن لكل تجربة خصوصيتها التاريخية؟ وأعتقد أن نقطة الخلاف بيننا لا تكمن في الوقائع بقدر ما تكمن في المنهج الذي نقرأ من خلاله هذه الوقائع. فالرفيقان ينطلقان من أسئلة تتعلق بطبيعة علاقات الإنتاج، واتساع السوق، ونمو القطاع الخاص، وظهور التفاوتات الطبقية. وهي كلها أسئلة مشروعة لا يجوز تجاهلها. لكنني أرى أن الحكم على أي تجربة تاريخية لا يمكن أن يبدأ من نهاياتها الظاهرة، بل من الظروف التاريخية التي أفرزتها، ومن طبيعة التناقضات التي كانت تحاول معالجتها. وهنا أعتقد أن النقاش حول الصين يعاني، في كثير من الأحيان، من إغفال السياق التاريخي الذي سبق إصلاحات عام 1978، وكأن هذه الإصلاحات جاءت نتيجة اقتناع أيديولوجي بالرأسمالية أو إعجاب بآليات السوق. بينما يفرض علينا المنهج المادي التاريخي أن نطرح سؤالاً مختلفاً تماماً: لماذا وصلت القيادة الصينية إلى قناعة بضرورة تغيير النهج الاقتصادي؟ وما هي الشروط الموضوعية التي دفعتها إلى ذلك؟ لقد حققت الثورة الصينية بعد عام 1949 إنجازات تاريخية لا يمكن إنكارها. فقد نجحت في توحيد البلاد بعد عقود من الاحتلال والحروب الأهلية، وأنهت إلى حد كبير البنى الإقطاعية وشبه الاستعمارية، وأطلقت إصلاحاً زراعياً واسعاً، ووضعت أسس التصنيع الوطني، ووسعت التعليم والخدمات الصحية، ورفعت متوسط العمر المتوقع بصورة غير مسبوقة. وهذه الإنجازات شكلت الأساس الذي قامت عليه الصين الحديثة. لكن مسيرة بناء الاشتراكية لم تكن مستقيمة، بل مرت بمنعطفات حادة وتجارب مؤلمة فرضت على الحزب الشيوعي الصيني مراجعات عميقة. كانت المحطة الأولى هي القفزة الكبرى إلى الأمام، التي انطلقت أواخر خمسينيات القرن الماضي بهدف تسريع الانتقال من مجتمع زراعي متخلف إلى قوة صناعية كبرى عبر التعبئة الجماهيرية. وقد حملت التجربة طموحاً ثورياً كبيراً، لكنها اصطدمت بحدود الواقع الاقتصادي والإداري، وبأخطاء في التخطيط والتنفيذ، إضافة إلى عوامل طبيعية قاسية، فانتهت إلى أزمة اقتصادية ومجاعة واسعة تركت آثاراً عميقة على المجتمع الصيني. ثم جاءت الثورة الثقافية (1966-1976)، التي انطلقت بدافع حماية الثورة من البيروقراطية ومن احتمال عودة الرأسمالية، لكنها تحولت تدريجياً إلى صراع سياسي واسع أدى إلى اضطراب مؤسسات الدولة، وتعطيل التعليم والبحث العلمي، وإضعاف الإدارة والإنتاج، وإقصاء أعداد كبيرة من الكفاءات العلمية والإدارية، الأمر الذي ألقى بظلاله الثقيلة على عملية التنمية. ومع وفاة ماو تسي تونغ عام 1976، واعتقال المجموعة التي عُرفت باسم "عصابة الأربعة"، انتهت عملياً مرحلة الثورة الثقافية، وبدأ الحزب الشيوعي الصيني مراجعة شاملة لتجربته. ولم تكن هذه المراجعة مجرد تغيير في القيادة أو تحميل المسؤولية لأفراد بعينهم، بل كانت تعبيراً عن قناعة متزايدة داخل الحزب بأن استمرار السياسات السابقة لن يمكّن الصين من تحقيق أهدافها في التنمية وبناء مجتمع اشتراكي قادر على المنافسة في عالم يتسارع فيه التطور العلمي والتكنولوجي. وقد تُوّجت هذه المراجعة لاحقاً بقرار الحزب الشيوعي الصيني عام 1981 حول بعض المسائل في تاريخ الحزب منذ تأسيس الجمهورية الشعبية. وقد تميز هذا القرار بمحاولة الجمع بين النقد والحفاظ على الاستمرارية التاريخية، إذ أكد على الدور التاريخي الحاسم لماو في قيادة الثورة وتوحيد الصين، وفي الوقت نفسه اعتبر أن القفزة الكبرى إلى الأمام والثورة الثقافية شهدتا أخطاءً جسيمة ينبغي استخلاص الدروس منها. وبهذا المعنى، اختار الحزب الصيني مراجعة التجربة من داخلها، لا القطيعة معها، خلافاً لما جرى في الاتحاد السوفياتي بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي، حين تحولت إدانة ستالين من نقدٍ لأخطاء مرحلة تاريخية إلى قطيعة سياسية وفكرية مع جزء أساسي من التجربة السوفياتية، بما تركه ذلك من آثار عميقة على وحدة الحركة الشيوعية العالمية وثقة قطاعات واسعة من الشيوعيين بتاريخهم، وتقويض شرعية مرحلة هامة من البناء الاشتراكي السوفياتي. في هذا السياق برز دنغ شياو بينغ، الذي قاد منذ عام 1978 سياسة الإصلاح والانفتاح، واضعاً في مركزها فكرة أن الاشتراكية لا يمكن أن تُبنى في ظل الفقر والتخلف، وأن المهمة الأولى هي تطوير القوى المنتجة، باعتبارها الشرط المادي الضروري للتقدم نحو المجتمع الاشتراكي. إن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: لماذا استخدمت الصين السوق؟ بل: هل كان أمام القيادة الصينية، بعد حصيلة تلك التجارب المريرة، بديل تاريخي واقعي آخر يحقق التصنيع والتقدم العلمي والخروج من الفقر، مع الحفاظ على استقلال البلاد وسيادة قرارها الوطني؟ إن هذا السؤال، في تقديري، هو نقطة الانطلاق الصحيحة. فالمادية التاريخية لا تفسر السياسات من خلال النوايا أو النصوص المجردة، وإنما من خلال الظروف الملموسة والتناقضات التي تحاول معالجتها. ولذلك لا يمكن فهم إصلاحات 1978 إلا بوصفها استجابة تاريخية لأزمة حقيقية، وليس مجرد انتقال أيديولوجي من الاشتراكية إلى الرأسمالية. بعد هذا السياق التاريخي، نصل إلى جوهر الخلاف النظري. فالرفيقان جاك وسليمان ينطلقان من ملاحظة صحيحة، وهي أن اقتصاد السوق والقطاع الخاص قد اتسعا بصورة كبيرة في الصين، وأن علاقات العمل المأجور، والتفاوت الاجتماعي، وتراكم الثروة الخاصة، أصبحت ظواهر لا يمكن إنكارها. وهذه الوقائع لا ينبغي التقليل من شأنها أو القفز فوقها، لأنها تمثل بالفعل تناقضات حقيقية داخل التجربة الصينية. لكن السؤال لا يقف عند وصف الظواهر، بل ينتقل إلى تفسيرها في سياقها التاريخي والطبقي. وهنا أعتقد أن الخلاف الأساسي بيننا يكمن في معيار الحكم على طبيعة النظام الاجتماعي. فالرفيق سليمان يذهب إلى أن المعيار الحاسم هو طبيعة علاقات الإنتاج، بينما يؤكد الرفيق جاك أن توسع السوق قد يكون دليلاً على تحول نوعي من الاشتراكية إلى الرأسمالية. وأنا لا أختلف مع أهمية هذين العاملين، لكنني أختلف مع تحويلهما إلى معيارين وحيدين للحكم. لا يمكن النظر إلى علاقات الإنتاج بمعزل عن مستوى تطور القوى المنتجة، وطبيعة السلطة السياسية، وموقع الدولة في الصراع الطبقي، والمرحلة التاريخية التي يمر بها المجتمع . ولو أخذنا معيار وجود السوق أو العمل المأجور بصورة مجردة، لاضطررنا إلى اعتبار السياسة الاقتصادية الجديدة التي أطلقها لينين عام 1921 عودة إلى الرأسمالية منذ لحظة إعلانها، لأن السوق عاد، والتجارة الخاصة عادت، والعمل المأجور استمر، بل وظهرت طبقة من التجار والمقاولين. لكن لينين لم يعتبر ذلك تحولاً في طبيعة الدولة، لأنه كان يرى أن المسألة الجوهرية لا تتعلق بوجود أدوات رأسمالية، بل بمن يسيطر على الدولة، ومن يحدد الاتجاه العام للتطور. وعليه، فالسؤال لا ينبغي أن يكون: هل توجد في الصين علاقات إنتاج رأسمالية؟ (فهذا أمر لا ينكره أحد)، بل السؤال هو: ما هو موقع هذه العلاقات داخل البنية العامة للنظام؟ وهل هي التي تفرض اتجاه تطور المجتمع، أم أنها تعمل ضمن إطار سياسي واستراتيجي يرسمه الحزب الشيوعي والدولة؟ إن المرحلة الانتقالية نحو الاشتراكية، كما فهمها ماركس ولينين، ليست انتقالاً آلياً من الرأسمالية إلى مجتمع شيوعي مكتمل، بل هي مرحلة تتعايش فيها أشكال متعددة من الملكية وعلاقات الإنتاج، ويستمر خلالها الصراع الطبقي بأشكال جديدة. ولذلك فإن وجود عناصر رأسمالية داخل الاقتصاد لا يعني تلقائياً أن النظام أصبح رأسمالياً، تماماً كما أن وجود قطاع عام واسع داخل دولة رأسمالية لا يجعلها اشتراكية. وهنا أصل إلى نقطة أعتبرها أساسية في تقييم التجربة الصينية، وهي أن السؤال الطبقي لا يتعلق فقط بمن يملك الشركات، بل بمن يملك السلطة السياسية القادرة على توجيه عملية التراكم الاقتصادي. ففي الصين ما زالت الدولة تسيطر على القطاعات الاستراتيجية: المصارف الكبرى، والطاقة، والبنية التحتية، والسكك الحديدية، والصناعات العسكرية، والسياسة النقدية، كما يحتفظ الحزب الشيوعي بدوره القيادي في رسم الاستراتيجيات الاقتصادية طويلة المدى. وهذا لا يكفي وحده لإثبات أن الصين اشتراكية، لكنه يمنع أيضاً القفز إلى استنتاج أنها أصبحت دولة رأسمالية. وقد يقال إن رأس المال لا يبقى خاضعاً إلى الأبد، وإنه يسعى دائماً إلى توسيع نفوذه داخل الدولة والمجتمع. وأنا أتفق تماماً مع هذه الملاحظة، بل أعتبرها التناقض الرئيسي الذي يواجه التجربة الصينية اليوم. فالسؤال ليس ما إذا كان هذا الخطر موجوداً، وإنما ما إذا كان قد حُسم بالفعل لمصلحة البرجوازية. حتى الآن، لا يبدو أن البرجوازية الصينية أصبحت الطبقة التي تحدد السياسات العامة للدولة، ولا أنها قادرة على إخضاع الحزب الشيوعي لمصالحها، كما يحدث في الرأسمالية. بل شهدنا خلال السنوات الأخيرة تدخلات واسعة للدولة لإعادة تنظيم عمل الشركات العملاقة، وفرض قيود على الاحتكارات الخاصة، وتوسيع الرقابة على رأس المال المالي، وإطلاق سياسات تستهدف الحد من التفاوت الاجتماعي تحت شعار "الرخاء المشترك". وقد يختلف المرء في تقييم مدى نجاح هذه السياسات، لكنها تدل على أن الصراع بين الدولة ورأس المال لا يزال قائماً، وأن نتيجته لم تُحسم بعد. وهنا يكمن جوهر النقاش. فوجود المليارديرات، أو اتساع القطاع الخاص، أو استمرار السوق، لا يكفي وحده للإجابة عن سؤال: ما هي طبيعة الدولة الصينية؟ لأن الدولة لا تُعرَّفْ من خلال حجم القطاع العام أو الخاص، بل من خلال الطبقة التي تمارس السلطة، والاتجاه الذي يُوظَّف فيه الفائض الاجتماعي، والمسار التاريخي الذي تتحرك فيه علاقات الإنتاج. إن الحكم على الصين لا ينبغي أن يصدر من ظاهرة منفردة، بل من مجمل الحركة التاريخية للتجربة. فإما أن يتعاظم نفوذ رأس المال حتى يفرض إرادته على الحزب والدولة، وعندها يصبح الحديث عن تحول نوعي نحو الرأسمالية مشروعاً، وإما أن يظل رأس المال خاضعاً لأولويات الدولة الاشتراكية، ويُستخدم بوصفه أداة لتطوير القوى المنتجة، وعندها نكون أمام مرحلة انتقالية معقدة، لا يمكن اختزالها بالمفاهيم التقليدية للرأسمالية أو الاشتراكية. ولهذا، فإنني لا أرى أن السؤال الحاسم هو: هل يوجد سوق؟ أو هل يوجد قطاع خاص؟ (إن التجربة السوفياتية نفسها تكشف أن غياب السوق والقطاع الخاص ليس ضمانة كافية لاستمرار الاشتراكية. فقد امتلك الاتحاد السوفياتي ملكية عامة شبه كاملة، ولم يسمح بنشوء برجوازية خاصة، ومع ذلك انتهى إلى تفكك الدولة وعودة الرأسمالية. وهذا يدل على أن طبيعة النظام لا تختزل في شكل الملكية وحده، بل ترتبط أيضاً بطبيعة السلطة السياسية، وآليات اتخاذ القرار، وعلاقة الحزب بالمجتمع، وقدرته على تجديد نفسه) وإنما: هل يقود رأس المال الدولة، أم تقود الدولة رأس المال؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد، في نهاية المطاف، الاتجاه التاريخي للتجربة الصينية. تبقى، مع ذلك، مجموعة من الأسئلة النظرية التي أثارها الرفيقان جاك وسليمان، وتتعلق بمفاهيم أساسية في الفكر الماركسي، مثل الاغتراب، وذبول الدولة، والاندماج في السوق العالمية، ورأسمالية الدولة. وهي أسئلة لا يمكن القفز فوقها، لكنها تستدعي وضعها في سياقها التاريخي. فقد أشار الرفيق جاك إلى أن الاشتراكية لا تُقاس فقط بمعدلات النمو أو بتحسن مستويات المعيشة، بل بقدرتها على تحرير الإنسان من الاغتراب، وتقليص وقت العمل الضروري، والحد من هيمنة السوق على الحياة الاجتماعية. ولا أختلف مع هذا المبدأ، لأنه يمثل في جوهره الغاية الإنسانية العليا التي تحدث عنها ماركس. لكن السؤال هو: هل هذه معايير للحكم على مجتمع ما يزال يعيش المرحلة الانتقالية، أم أنها معايير للمجتمع الشيوعي الذي يفترض أن يبلغ مستوى من تطور القوى المنتجة يسمح بتجاوز اقتصاد الندرة؟ لقد كان ماركس واضحاً في أن الانتقال إلى مجتمع المنتجين الأحرار يفترض وفرة مادية، وتطوراً علمياً وتقنياً، يحرران الإنسان تدريجياً من الضرورات الاقتصادية التي فرضتها قرون طويلة من التخلف والاستغلال. ولذلك فإن مجتمعاً كان، حتى سبعينيات القرن الماضي، يعيش مستويات واسعة من الفقر والأمية، لا يمكن أن يُقاس مباشرة بمعايير المجتمع الشيوعي المكتمل نظرياً. ومن هنا، فإن نجاح الصين في انتشال مئات الملايين من الفقر، وتطوير التعليم، والبحث العلمي، والبنية التحتية، ليس بديلاً عن الهدف الاشتراكي، لكنه يمثل شرطاً مادياً لازماً للاقتراب منه. فالمجتمع الذي يعجز عن إنتاج الثروة لا يستطيع توزيعها بصورة عادلة، ولا يستطيع تقليص ساعات العمل أو تحرير الإنسان من الاغتراب. وتبرز هنا أيضاً مسألة الاندماج في الاقتصاد العالمي. فقد اعتبر بعض الرفاق أن ارتباط الصين بالسوق العالمية دليل على اندماجها في الرأسمالية. لكن علينا التمييز بين الاندماج بوصفه تبعية، والاندماج بوصفه أداة لتطوير القوى المنتجة. لقد دخلت الصين الاقتصاد العالمي في موقع مختلف عن كثير من دول الجنوب. فهي لم تكتفِ بتصدير المواد الخام أو استيراد السلع، بل استخدمت الانفتاح لنقل التكنولوجيا، وبناء قاعدة صناعية، وتطوير البحث العلمي، وتحقيق استقلال متزايد في مجالات استراتيجية مثل الاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والصناعات المتقدمة. وهذا لا ينفي وجود تناقضات ناجمة عن هذا الانفتاح، لكنه يجعل الحكم عليه أكثر تعقيداً من مجرد اعتباره اندماجاً في الرأسمالية العالمية. ولعل المقارنة التاريخية هنا أكثر فائدة من المقارنة النظرية. فالصين والهند بدأتا، في منتصف القرن العشرين، من أوضاع متقاربة نسبياً: عدد هائل من السكان، وفقر واسع، وإرث استعماري، وضعف في التصنيع، وتخلف زراعي. لكن البلدين اختارا مسارين مختلفين في إدارة التنمية. فقد اعتمدت الصين نموذجاً يقوم على قيادة الدولة والحزب الشيوعي لعملية التنمية، مع استخدام السوق ضمن إطار تخطيط استراتيجي طويل المدى، بينما اتجهت الهند تدريجياً نحو نموذج اقتصادي رأسمالي يعتمد على السوق والقطاع الخاص. ولا تهدف هذه المقارنة إلى إعلان انتصار نموذج على آخر بصورة تبسيطية، فالهند حققت بدورها إنجازات اقتصادية وعلمية مهمة. لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا استطاعت الصين، خلافاً عن الهند، أن تنتشل نحو ثمانمائة مليون إنسان من الفقر، وأن تصبح أكبر قوة صناعية في العالم، وأن تحقق مستويات من التطور في البنية التحتية والبحث العلمي تفوق بكثير ما حققته دول نامية أخرى واجهت ظروفاً تاريخية متشابهة؟ إن هذا السؤال لا يثبت أن الصين حققت الاشتراكية، لكنه يفرض علينا أن نتعامل بجدية مع خصوصية تجربتها، وألا نختزلها في وصفها بأنها رأسمالية لمجرد وجود السوق والقطاع الخاص. ومن هنا أصل إلى مفهوم "رأسمالية الدولة"، الذي يطرحه بعض الباحثين الماركسيين لتوصيف الصين. ولا شك أن هذا المفهوم يستحق النقاش، لكنه لا يحسم القضية. فالدولة قد تمتلك وسائل الإنتاج وتعمل في خدمة البرجوازية، كما قد تستخدم سلطتها لتقييد رأس المال وتوجيهه. ولذلك فإن ملكية الدولة، بحد ذاتها، ليست معياراً كافياً للحكم، تماماً كما أن وجود القطاع الخاص ليس معياراً كافياً للحكم في الاتجاه المعاكس. إن السؤال الجوهري يظل هو نفسه: أي طبقة تحدد الاتجاه العام للدولة؟ وهل أصبحت البرجوازية قادرة على إخضاع الحزب والدولة لمصالحها، أم أن الحزب لا يزال يحتفظ بالقدرة على ضبط حركة رأس المال وتوجيهها وفق أولويات التنمية الوطنية؟ قد يختلف الماركسيون في الإجابة عن هذا السؤال، وهو اختلاف مشروع، لكنني أعتقد أن إصدار حكم نهائي على تجربة ما تزال تتطور يحمل قدراً من التسرع. فالتاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد، وما زالت التناقضات داخل المجتمع الصيني مفتوحة على أكثر من احتمال. إن الدفاع عن التجربة الصينية لا ينبغي أن يحجب جانباً آخر يستحق النقد، فمنذ أواخر التسعينات، وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي، اتجهت الصين إلى تبني سياسة خارجية تقوم على مبادئ مثل عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وإقامة علاقات مع مختلف الأنظمة بصرف النظر عن طبيعتها الأيديولوجية، وإعطاء الأولوية للتنمية الداخلية والاستقرار الدولي. وقد وفّر هذا النهج للصين بيئة مناسبة للنمو الاقتصادي، لكنه، في المقابل، جعلها أقل انخراطاً في دعم الأحزاب الشيوعية وحركات التحرر الوطني مقارنة بالدور الذي لعبه الاتحاد السوفياتي لعقود. وهذا أمر يصعب إنكاره. فقد كانت الأحزاب الشيوعية واليسارية، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تتوقع من الصين أن تملأ جزءاً من الفراغ الذي خلّفه غياب المعسكر الاشتراكي، سواء سياسياً أو فكرياً أو تنظيمياً. إلا أن بكين لم تتبنَّ هذا الدور، بل فضّلت التعامل مع الدول على أساس المصالح المتبادلة والعلاقات بين الحكومات، لا على أساس الانتماءات الأيديولوجية. الصين ترى أن الأولوية كانت لحماية تجربتها من مصير مشابه للاتحاد السوفياتي، وأن الدخول في مواجهة أيديولوجية عالمية كان سيستنزفها ويعرّض مشروعها التنموي للخطر. كما أنها تعتبر أن تقديم نموذج تنموي ناجح أكثر تأثيراً على المدى البعيد من تصدير الثورة أو رعاية الأحزاب الشيوعية في الخارج. يبقى السؤال مفتوحاً: هل كان هذا الخيار ضرورياً لحماية التجربة الصينية، أم أنه جاء على حساب الأممية البروليتارية وأضعف الحركة الشيوعية العالمية؟ هذا، في رأيي، نقد مشروع يستحق النقاش. بل يمكن القول إن أحد أسباب أزمة اليسار العالمي بعد عام 1991 لم يكن فقط انهيار الاتحاد السوفياتي، بل أيضاً غياب قوة اشتراكية كبرى تتبنى مشروعاً أممياً منظماً كما فعل الاتحاد السوفياتي في مراحل واسعة من تاريخه. وأود أن أختم بملاحظة منهجية أعتبرها جوهرية في هذا النقاش. لقد استخدم الرفيق جاك أكثر من مرة تعبير "السؤال الجدلي"، وهو تعبير أقدره كثيراً، لكنني أعتقد أن بعض الأسئلة المطروحة تميل إلى أن تكون معيارية أكثر منها جدلية؛ أي إنها تقيس الواقع انطلاقاً من صورة مسبقة لما ينبغي أن يكون عليه المجتمع الاشتراكي، لا انطلاقاً من تحليل الواقع في حركته الفعلية. أما الجدل المادي، فلا يبدأ من نموذج مثالي يُقاس الواقع عليه، بل من الواقع نفسه. إنه يسأل: ما هو التناقض الرئيسي في هذه المرحلة؟ من يملك السلطة السياسية؟ كيف تتحرك علاقات الإنتاج؟ وما هو الاتجاه العام لتطور المجتمع؟ وعلى هذا الأساس، فإن السؤال ليس: لماذا لم تذبُل الدولة بعد؟ أو لماذا لم تختفِ السوق؟ أو لماذا ما زال الاغتراب قائماً؟ وإنما: هل تتحرك التناقضات داخل المجتمع الصيني في اتجاه تعزيز السيطرة الاجتماعية على الاقتصاد، أم في اتجاه هيمنة رأس المال على الدولة؟ وهل يتراجع نفوذ البرجوازية أمام سلطة الحزب، أم يحدث العكس؟ هذه، في تقديري، هي الأسئلة التي ينبغي طرحها، لأنها تنطلق من الواقع وتناقضاته، لا من نموذج مجرد. ولهذا، فإنني لا أقدم التجربة الصينية بوصفها النموذج النهائي للاشتراكية، كما لا أعتبرها دليلاً على انتصار الرأسمالية. إنها تجربة انتقالية معقدة، تحمل في داخلها تناقضات حقيقية، وسيكون صراع هذه التناقضات هو الذي يحدد وجهتها التاريخية. فالماركسية ليست فلسفة لإصدار الأحكام النهائية على التاريخ وهو ما يزال يتشكل، بل منهج لفهم حركته والكشف عن قوانينه واتجاهاته ويمنحنا الأدوات المعرفية الضرورية لتغييره ثورياً. التجربة الصينية مرة ثانية يكتب د. طنوس مقالا يشرح فيه تحليله لواقع وتاريخ التجربة الصينية مناقشا خلال سرده الواقعي أفكار الرفيقين جاك وسليمان ومجيبا على تساؤلاتهما

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

Hamada Jeddo كلامك رائع ـ, علما " ، , لا علاقه لي بالحكومه ـ أعيش بالخارج. ـ وأشعر بالآسى ـ الكهربه ما بتقطع لا ثانيه ـ ما تفتكر الخواجات ديل كائنات فضائية ـ هم بشر مثلنا ـ في موضوع العلمانيه فصل الدين عن الدوله. الذي هو الدين المسيحي ـ ابعاد الدين المسيحي من السلطه ـواستبدال الزواج الكاثوليكي الذي بدون طلاق. بالزواج المدني ـ زواج فيهو طلاق ويتم تقاسم الثروه بعد الطلاق مباشرة ـ ده. قانون مطبق في جميع الدول العلمانيه بما فيها تركيا المسلمه ـ هل هذا القانون يقاتل من أجله الحركه الشعبيه 30سنه تمرد ـ ونفس المطالب يتبناها المتمرد نور. رغم أن دارفور شعب مسلم ؟؟؟ ==================================================================================================================================== Hamada Jeddo كل الشكر لكلماتك الطيبة لكن أرجو أن تسمح بقراءة ردك وتحليل أفكاره الرئيسية؛ أتفق معك تماماً، هم بشر وليسوا فضائيين. ونجاحهم في توفير الكهرباء والماء هو نتيجة استقرار مؤسسات الدولة وليس معجزة. هذه الملاحظة تحديداً هي ضد من هم في الحكم الآن، وليست ضد الشيوعيين. فأنت تقول إن المشكلة ليست في قدرات البشر بل في سوء الإدارة والفساد . وهذه هي بالضبط نقطة الشيوعيين وغيرهم من المعارضة: أن النظام الحالي عاجز عن إدارة البساطة (الكهرباء) فكيف بإدارة الدولة؟ المغالطة الكبرى في موضوع العلمانية والزواج المدني فما تفضلت به هو اختزال خطير لعلمانية الدولة في قانون الطلاق وتقسيم الثروة . العلمانية ليست مشروعاً لتدمير الزواج المسيحي أو الإسلامي، بل هي ضمان حرية الجميع. · الحركة الشعبية لم تقاتل 30 عاماً من أجل الزواج المدني . قاتلت من أجل المواطنة المتساوية، ورفض فرض الشريعة الإسلامية على غير المسلمين، ووقف التهميش والاستعباد العرقي. كانت تطالب بـالسودان الجديد الذي لا يفرق بين مسلم ومسيحي، وليس بتطبيق قانون طلاق تركي على الكاثوليك. · في دارفور (ومطالب نور)، دارفور مسلمون، لكن حربهم كانت ولا تزال عن الأرض، والموارد، والتنمية، ومحاكمة مجرمي الحرب، وليس عن استبدال الزواج الديني بزواج مدني. نسبتك لمطالبهم إلى الزواج المدني هي أمر غير دقيق تاريخياً، وتجاهل لمآسي الإبادة الجماعية التي حدثت هناك. أنت تتحدث عن العلمانية وكأنها صفقة استبدال (دين بدين)، أي استبدال سلطة الكنيسة بسلطة المحكمة في الطلاق. بينما في الحقيقة، العلمانية في السياق السوداني هي حل لمشكلة التعددية، وليست حلاً لمشكلة الطلاق. القوانين المدنية للميراث والزواج يتم اقتراحها لمنع التمييز ضد المرأة والمناطق المهمشة، لكنها لم تكن يوماً الشعار الرئيسي لأي تمرد مسلح في جنوب السودان أو دارفور. شعاراتهم كانت الحرية، والسلام، والعدالة ، وليس تقسيم الثروة بعد الطلاق . تركيا طبقت الزواج المدني كجزء من تحديث الدولة القومية في بدايات القرن العشرين، ولكن حتى في تركيا، هناك اعتراف بالزواج الديني كعرف، ويسمح للأقليات بتطبيق شرائعها. لكن السودان ليس تركيا؛ السودان يعاني من حروب هوية حادة، وأي نقاش حول الأحوال الشخصية الآن، في ظل مجاعة وحرب، هو ترف غير أخلاقي مقارنة بآلاف القتلى والنازحين. يا رفيقي لا أحد يختلف معك في أن الخواجات بشر، ولكن السودان لا يسقط لأننا أغبياء، بل يسقط لأن هناك من يستغل الدين للهيمنة على الموارد. ملاحظتك على العلمانية باختزالها في الطلاق هو إلهاء عن الجوهر . فالنطالب الحكومة أولاً أن توقف الحرب وتوفر الكهرباء التي تحدثت عنها، ثم ناقشنا في تفاصيل قوانين الزواج. الرجل المتمرد في دارفور لم يحمل السلاح لكي يطلق زوجته، بل حملها لأنه جوع وعُري وُجد في دارفور، أما الزواج فهو شأن خاص يجب أن ينظمه المجتمع، وليس أن يكون مدفع حرب