لو وقفنا أمام ماركس، وسألناه: كيف تقيس القِيمة؟ لقال، بثقة معلِّم يَعرف تمامًا موضع قدميه: بكمية ما تتضمنه السلعة من العمل الاجتماعيّ الضروريّ. فنقول له: حسنًا، ولكن كيف تقيس كمية هذا العمل؟ فيبتسم ماركس ابتسامة الْواثق، ويجيب: بوقت العمل. فنواصل: وكيف تقيس وقت العمل؟ فيحدّق ماركس في وجوهنا كأننا نسأل عن بديهة، ويقول: بوحدة الزّمن، يومًا، ساعة، دقيقة... أليست هذه هي وحدات القياس المُتعارف عليها؟ لكننا لا نتركه، بل نُمعن في السُّؤال: وماذا عن القيمة نفسها، ما هي؟ فيقول، كمن ينطق بحقيقة كونية: إنها كمية من العمل الاجتمَاعيّ الضروريّ المتجسد في المنتوج. وهنا نتوقف، ونقول له، بلطف: هل تسمح لنا، يا ماركس، بسعة صدر، لأننا بصدد فضيحة معرفيّة لا تحتمل التأجيل. كيف يمكنك أن تقيس الطول بالجالون؟ كيف تقيس شيئًا بمقياس لا ينتمي إلى طبيعته؟ لأنك تفعل، أنت، وكل من سبقك، وكل من تبعك، هذا بالضبط: تقيس العمل بالزّمن، وتقيس القيمة بوحدة لا علاقة لها بجوهرها. نعم، القِيمَة تُنتج خلال زمن، لكن الزَّمن ليس هو القِيمة. الزمن ظرف، لا مقياس. ثم، دعنا نتمادى قليلًا، ما دام الحرج قد سقط، ونسألك: هل ساعة عمل الجراح تساوي ساعة عمل عامل منجم؟ وهل ساعة المهندس تُعادِل ساعة البنّاء؟ هل هذا هو علمك؟ وهل هذه هي وحدتك في القياس؟ هنا يقطب ماركس حاجبيه، ويستحضر دفاعه الكلاسيكي من "رأس المال": "إن النسب التي تُختزل بها أنواع العمل إلى العمل البسيط تُحسم في عملية اجتماعية تجري خلف ظهور المنتجين." فنقول له: عظيم. وأين تجري هذه العملية؟ سيقول، بتردّد هذه المرّة: في السُّوق. وهنا نقول له: السُّوق؟ السّوق، الذي تقضي عمرك في نقده، هو ذاته من سيتولى تحديد "كمية" القيمة، عبر آلياته، عبر الأثمان، عبر الطلب والعرض! أهذا هو "العلم"؟ أن تردّ القانون إلى السُّوق، وتسلّمه لتأرجحات الثمن؟ معنى ذلك ببساطة: لا قانون. لا مقياس. لا علم. هكذا، وبكل هدوء، يسقط قانون القِيمة الذي شيّد عليه ماركس بناءه كلّه. هكذا يتحوّل الاقتصَاد السّياسيّ، لا إلى علم، بل إلى حكاية. والقيمة؟ تصبح مرآة لما يُرضي السُّوق، لا لما يُنتَج في الواقع. مأساة ماركس أنه استهان بتحفّظات أسلافه، وأنصت إلى نفسه فقط، وأغلق الباب على أي احتمال لظهور مقياس علمي للقيمة. أما من أتوا بعده، فقد قدّسوه، ورفعوه فوق النقد، فراحوا يَلْوُون عنق النصوص، ويهرَعون إلى التَّأويل، ويقفزون فوق المعنى، فقط ليظل ماركس منتصرًا، ولو كان الانتصار على حساب المنطق، أو باغتيال العلم!
قرأت أن كارل ماركس رفض اقتراح السعر الحراري الضروري كمقياس للقيمة الذي نشره بول لافارج (Paul Lafargue) (1842-1911) صهره زوج ابنته لورا ، / في كتاباته ومقالاته خلال القرن التاسع عشر / ، خاصة في سياق نقده لنظرية قيمة العمل الكلاسيكية والماركسية. رغم أنه طرح اقتراحه كفكرة ولم يطورها بشكل منهجي في أعماله الرئيسية مثل الحق في الكسل، بل ظهرت في سياق نقاشاته حول ربط الاقتصاد بقوانين الطاقة الفيزيائية.
محاولاً تطوير مفهوم مادي للقيمة يعتمد على الطاقة المستهلكة في الإنتاج بدلًا من وقت العمل.
مركزاً فكرته في مقالة : نظرية القيمة والحتمية الاقتصادية التي نشرت في مجلة L'Égalité ، حيث أشار إلى أن القيمة يمكن قياسها بالطاقة البشرية (السعرات الحرارية) المبذولة في العمل العضلي.
ولم أستطع الحصول على نسخة من المقالة حتى الآن ، لكنني وجدت تلخيصاً للفكرة من خلال مراسلات لافارج مع أنجلز :
في (1882)، كتب لافارج:
لو قسنا القيمة بالطاقة المستهلكة في الإنتاج – كالسعرات الحرارية – لكشف استغلال الرأسمالي للقوة الحيوية للعامل. العمل ليس سوى تحويل للطاقة... وهذا المقياس الفيزيائي أنصف من وقت العمل المجرد.
(مصدر:Correspondance Engels-Lafargue, Éditions Sociales, 1956, Tome 1
===========================================================
===========================================================
