غريب إصرار البعض في مواقفه ضد العلمانية وبلادنا تفتخر بأن لا علمانية فيها ولا يحكمها نظام علماني فكل أنظمتنا العربية أنظمة إسلامية والشريعة فيها هي المصدر الرئيس للتشريع وكل رئيس أو ملك أو والي أو امير فيها يجب أن يكون مسلماً والتمييز بين الأفراد في الحقوق لأسباب دينية موجود وحاصل تاريخياً ومكرس في الدساتير والقوانين إضافة للعادات والتقاليد على الأقل في البلدان المتعددة الأديان ثم يدعون بأن العلمانية هي من أزاحت الإسلام عن المجتمع ! كيف ؟ لا احد يملك الجواب لأن أفكارهم ليست نتيجة تساؤلات عقلية بل أطروحات عقائدية نابعة من غربتهم عن الواقع الراهن وعدم القدرة على انتقاد سلبيات الحاضر عبر تقديم بديل مثمر وناجح ، التطور الإنساني الطبيعي وتغير متطلبات وحاجات البشر وتراكم الخبرات الاجتماعية هي السبب الرئيس في إنزياح أفكار ومعتقدات وظهور جديد بدلاً عنها يناسب الناس وحياتهم المتغيرة دائماً ، كذلك الأمر بالنسبة للأديان كمثال على ذلك قارنوا تحريم الإسلام لمختلف أنواع الفنون من شعر وغناء ورقص وأدب وتلفاز … وبين واقع تداولها بين الناس ، كذلك مقولة أن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، فالصالح لكل زمان ومكان في الشريعة ليس أحكامها بل تنظيمها لشؤون العبادة ومقوماتها من صلاة وصوم وزكاة كذلك مقولة الشريعة كاملة ولا تتجزأ فالثابت ان ميثاق الأمم المتحدة وشرعة حقوق الإنسان قد أوقفا وعطلا العمل بحوالي ٢٣ آية من الآيات القطعية في القرآن الكريم تتعلق بالسبي وأسواق العبيد وبيعهم وأحكام وطئ السبية ملك اليمين دون موافقتها و… وكل الدول العربية والإسلامية وقعت على ميثاق الامم المتحدة ووافقت عليه رغم تحفظ بعض الدول على بعض البنود . قوانين الأحوال الشخصية نعم هي الوحيدة المسيطر عليها وفق الشريعة الإسلامية وبموافقة باقي الأديان التي سمح لها بالمحاكم الروحية الخاصة بأديانها وطوائفها لذلك ممنوع الزواج المدني المختلط في غالبية الدول العربية والإسلامية ونرى التمييز الديني في الزواج المختلط على الشكل التالي : إذا كان الزوج مسلماً والزوجة من دين إخر يسمح بعقد الزواج وتسجيله في الأحوال الشخصية حتى لو طلبت الزوجة البقاء على دينها ويسجل الأبناء على دين أبيهم حصراً ، أما إذا كان الزوج غير مسلم والزوجة مسلمة فيمنع عقد الزواج ويمنع تسجيله إلا إذا أسلم الزوج ! في الظاهر هنا أن الأمر للحفاظ على الدين بينما الحقيقة أن الاتجاه منصب على دور مبدأ التكاثر البشري لحماية إنجاب الحامل الاجتماعي للدين وهم مجموع المتدينين الذين ورثوا دينهم عن أبائهم - فالحقيقة أن لا أحد منا قد أختار دينه ، ولا نعلم كيف سيؤول الأمر لو سمح بحرية اختيار المرء لدينه ، على كل حال هذا افتراض - وهي لعبة يمارسها رجال الدين من كل الأديان للحفاظ على دورهم وعملهم واستمرارية الحاجة لوجودهم كطبقة رجال دين . العلمانية ليست اللادينية بل هي نظام سياسي يساوي بين الناس في الحقوق والواجبات ويكون على مسافة واحدة من كل الأديان ويضمن الحق للجميع في العبادة والقيام بشعائرهم الدينية باعتبار أن الأديان قضية خاصة بين الإنسان وخالقه والقوانين السائدة في المجتمع هي قوانين وضعية قابلة للتجديد والإلغاء والتغيير بما يناسب مصلحة المجموع .