في ربيع عام 1983 خلال خدمتي العسكرية , التحقت باللواء 52 والذي كان قيد التشكيل بدلاً من أحد الألوية , مجاوراً قرى الحراك ومليحة الغربية ورخم في محافظة درعا , حيث تحول بأمر القيادة من لواء احتياط إلى لواء عامل , خضنا أنذاك مشروعاً عسكرياً لمدة 90 يوم متواصلة في منطقة تل أصفر الشبه صحراوية منفذين مهام تدريبية في مناطق مختلفة منها حقل رمي الطائرات قرب مطار خلخلة العسكري و رسم عليا و قرية بثينة ... كان مقر كتيبتنا عبارة عن أرض زراعية فيها محاصيل الذرة البيضاء و العدس والقمح , محاطة بساتر ترابي لفصلها عن أراضي المزارعين , تم تركيب بعض البراكيات في البداية , ثم بدأنا برصف الطرقات بالأحجار لتمهيد مدّ طبقة الإسفلت , لصنع طرقات خاصة تربط بين السرايا في الكتيبة وبين الكتيبة وباقي الكتائب ومع قيادة اللواء .. بعد ذلك بدأنا بتركيب أعمدة الكهرباء الخشبية وتمديد شبكة كهربائية خاصة بالكتيبة واللواء , وأذكر أن أول بناء تم البدء فيه هو حقل الرمي التدريبي ضمن الكتيبة , كانت علاقتنا بأهل المنطقة تتسم بالعادية وبطابع المنفعة المتبادلة من خلال تأمين بعض أحتياجاتنا الغذائية أو الاتصالات الطارئة مع الأهل من قريتي الحراك أو رخم , وبحكم الواقع الجغرافي كنا مضطرين للسير مشياً على الأقدام كليومترات عدة خلال قرية الحراك للوصول إلى مقر اللواء , وأيضاً عند المغادرة بإجازة ... الخ , كان العمل بالزراعة ورعي الأغنام والماعز هو المصدر الأساس للعديد من الأهالي إضافة لوجود قسم لا بأس به من شباب قرية الحراك العاملين في دول الخليج خاصة السعودية , تميزت عاداتهم الاجتماعية بالبساطة وهيمنة العقلية الذكورية في مجتمع محافظ وتقليدي مفعم بالعشائرية والعائلية والمتأثر بالفكر الوهابي , كان لافتاً تركز الأعراس عقب مواسم الحصاد , كما في أغلب الأرياف السورية , هكذا كنّا نتعمد النزول إلى القرية كل يوم خميس بعد الظهر بحجة شراء لوازم , لعلنا نحظى برؤية عراضة عابرة لعرس و سماع أهازيج الأغاني الشعبية ... ثم تراجعنا تدريجياً عن ذلك بسبب المشاكل العديدة التي كانت تحدث غالباً لأسباب نجهلها والتي كانت تبدأ بالمشادة الكلامية بين الشباب لتنتقل إلى الأهل ولتنتهي بتقاذف الأحجار بين الجميع !! ... أذكر في أحد المرات قدوم وفد من قرية الحراك طالبين على عجل المساعدة من قائد اللواء 52 أنذاك العميد مضر محمود يوسف من جبلة بيت ياشوط لمنع وقوع مشاجرة عشائرية بين عائلتين في القرية اختلفتا على أمر ما ! موضحين أنه في حال التأخير فإنه من الممكن سقوط قتلى وجرحى !! أمر قائد اللواء كتيبة الانضباط بالتدخل وحّل المشكلة , وتم نتيجة الأمر توقيف عشرة أشخاص من كل عائلة خلال فترة التفاوض على الصلح ( ساعات قليلة ) , بعدها عقدت المصالحة برعاية قائد اللواء ورئيس مخفر شرطة داعل على ما أعتقد , في وليمة غذاء في مقر قيادة اللواء ضمت وفداً من العائلتين المختلفتين ومختار قرية الحراك ووجوه من القرية , مع التعهد بحّل الخلافات مستقبلاً بالحوار وبالحسنى كما يقال بالعامية ! .
أكيد أن الأمور تبدلت كثيراً منذ عام 1983 وحتى الآن من ناحية البناء والحجر لكن الذي لست متأكداً منه هو هل تطورت عقلية البشر ؟؟ ومن المسؤول ؟؟ .
أكيد أن الأمور تبدلت كثيراً منذ عام 1983 وحتى الآن من ناحية البناء والحجر لكن الذي لست متأكداً منه هو هل تطورت عقلية البشر ؟؟ ومن المسؤول ؟؟ .