الأحد، 28 يونيو 2026
النقود بين الوظائف الثلاث ورقة قراءة نقدية في الاقتصاد السياسي.
تدرس النقود في أغلب المؤلفات الاقتصادية التقليدية باعتبارها أداة تؤدي ثلاث وظائف أساسية : وسيط للتبادل ومقياس للقيمة ومخزن للقيمة ؛ لكن هذا التصنيف رغم انتشاره يعاني من تبسيط أو عدم دقة نتيجة تناقضات ليست بثانوية كشفت عن أزمة في التحليل الاقتصادي للنظرية السائدة .
هذه الورقة تطمح إلى تفكيك هذه الوظائف في ضوء مدارس اقتصادية مختلفة مع التركيز على أن النقود أيضآ سلعة في أدائها وصولا إن أمكن إلى القانون الموضوعي الحاكم للظاهرة .
أجمعت المدارس التقليدية النيوكلاسيكية والنقدية على دور النقود كوسيط للتبادل لكنها اختلفت حول حياديتها؛ فبينما ترى الأولى أنها مجرد -حجاب- لا يؤثر في المتغيرات الحقيقية ، تعترف المدرسة النقدية بأن تغير عرض النقود سيؤدي إلى تشوش وخلل في وظيفتي المقياس والمخزن ، بينما المدرسة النمساوية تنفي أن النقود مقياسا للقيمة ؛ لأن القيمة ذاتية ولا تخضع لمعيار موضوعي . أما المدرسة الكينزية فتعتبر أن وظيفة مخزن القيمة تشكل تهديدا للنشاط الاقتصادي، حين تشير إلى أن الادخار على حساب الإنفاق يؤدي إلى الركود ، وهذا يشير إلى تناقض أساسي : فالنقود لكي تكون وسيطا ناجحا في التبادل يجب أن تنفق ولكي تكون مخزنا ناجحا، ينبغي أن تدخر .
ملاحظة : حياد النقود يعني أن تغير كميتها يغير الأسعار بنفس النسبة دون تغيير القيمة الحقيقية ، مما يعني أن وظيفة المقياس مجرد أداة حسابية لا تؤثر في جوهر القيمة التي تقررها التكلفة والمنفعة.
إشكالية النقود كسلعة :
في مثال الذهب فإن السلعة - النقود - يتحدد سعرها كأي منتج في السوق ، هكذا ستكون مقياسا متحركا وليس ثابتا وعند الادخار سترتفع قيمتها ، وهذا سيضعف وظيفتها كوسيط تبادل ويؤدي إلى الادخار الذي هو الاحتفاظ بالنقود خارج التبادل .
أما النقود الورقية فهي ساهمت بالتقليل من حجم المشكلة وأبقت النقود في التبادل أكثر لكنها تأثرت بالتضخم الذي يؤثر سلبا ويضعف وظيفة مخزن القيمة بالتدريج .
الاقتصاد السياسي يعيد الأهمية والاعتبار:
فإغفال الاقتصاد السياسي في تحليل النقود لم يكن صدفة بل كان نتيجة صراع معرفي سياسي تم فيه إدراج هذا العلم في المكاتب المغلقة - حبيس الأدراج- منذ أكثر من قرنين ونيف . وإعادة الاعتبار لعلم الاقتصاد السياسي تكشف أن النقود ليست أداة محايدة بل علاقة قوة وصراع طبقي فالذي يتحكم ويسيطر على صك النقود وإصدارها سيسيطر على توزيع الثروة والدخل، أما التضخم فهو ليس ليس خللا أو خطأ فني تقني بل هو طريقة ووسيلة لإعادة توزيع النقود المدخرة من الطبقات الفقيرة إلى الدولة والبنوك .
محاولات الفصل بين وظائف النقود في الواقع :
على أرض الواقع كان هناك محاولات لفصل وظائف النقود عن بعضها مثل فصل وسيلة التبادل عن مخزن القيمة. مثال : نظام النقود المتآكلة الذي طبق في النمسا ببلدة فورغل عام 1932 حيث كانت النقود تفقد 1% من قيمتها كل شهر مما دفع وشجع الناس على الإنفاق وأدى ذلك إلى انتعاش الاقتصاد المحلي، لكن هذه التجربة عطلت وأوقفت من السلطات بضغط من المصرف المركزي في النمسا لتضرر مصالحه ؛ لأن عمل البنوك قائم على التداخل بين وظيفتي الادخار والتبادل عن طريق ادخار المودعين في البنك والقروض التي يديرها ويقدمها البنك على أساس الفرق بين الفوائد في الحالتين وهذا ربح البنك .
فالقانون الموضوعي الحاكم لوظائف النقود ليس قانونا طبيعيا بل هو جدلية مستمرة بين الكمية والندرة - عرض النقود مقابل السلع - والتناقض الوظيفي بين التبادل والتخزين ودور الصراع عبر قرارات الجهة المتحكمة في إصدار النقود وصكها وتوزيعها- الدولة أو السلطة السياسية - فالنقود في أساسها ظاهرة اجتماعية وسياسية كما تحليل كارل ماركس للقيمة على أنها علاقات اجتماعية وليست عمل مباشر حي فقط .
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)