الأحد، 5 يوليو 2026

هل قتلت الأحزاب الشيوعية فلسفة ماركس ؟ مع تعقيب

هل قتلت الأحزاب الشيوعية فلسفة ماركس؟ مع مرور 105 أعوام على تأسيس ، لم يعد السؤال الحقيقي هل نجحت الشيوعية أم فشلت؟ فهذا سؤال ينتمي إلى منطق الانتصار والهزيمة أكثر مما ينتمي إلى منطق المعرفة. أما السؤال الذي يستحق أن يطرح فهو كيف استطاعت الصين أن تتحول من دولة مزقتها الحروب والفقر والمجاعة إلى إحدى أكبر القوى الاقتصادية في العالم تحت قيادة حزب يرفع راية الشيوعية، بينما انتهت تجارب شيوعية كثيرة إلى الانهيار، أو فقدت تأثيرها السياسي، أو تحولت إلى أحزاب تعيش على أمجاد الماضي أكثر مما تصنع المستقبل؟ هذا السؤال لا يبحث عن تمجيد الصين، ولا عن إدانة الشيوعية، بل يحاول فهم العلاقة المعقدة بين الفكرة والواقع، وبين الأيديولوجيا والدولة، وبين النص والتاريخ. فالتاريخ لا يكافئ الأفكار لأنها جميلة، ولا يعاقبها لأنها قبيحة، بل يختبر قدرتها على التكيف مع الواقع وإنتاج مؤسسات قادرة، إن الصين نجحت لأنها طبقت الشيوعية بصورة صحيحة، بينما فشل الآخرون لأنهم أساؤوا التطبيق. لكن هذه الإجابة نفسها تعكس ذهنية أيديولوجية؛ فهي تفترض منذ البداية أن النظرية معصومة، وأن الخطأ لا يكون إلا في البشر. وتبدأ المشكلة، لأن الفكر الذي يعجز عن مساءلة نفسه يتحول من أداة لفهم الواقع إلى أداة لتبرير الواقع. الفلسفة تبدأ من الشك، أما الأيديولوجيا فتبدأ من اليقين. الفلسفة تسأل: لماذا؟ وكيف؟ وهل يمكن أن نكون مخطئين؟ أما الأيديولوجيا فتسأل: كيف نثبت أن ما نؤمن به صحيح؟ ولذلك فإن الفرق بين الفيلسوف والمناضل الأيديولوجي ليس في الذكاء، بل في الموقف من الحقيقة. الفيلسوف يبحث عنها، أما الأيديولوجي فيعتقد أنه يمتلكها.إن كل أيديولوجيا تحمل في داخلها مفارقة خطيرة. فهي تبدأ بوصفها محاولة لتفسير العالم، ثم تنتهي بمحاولة إخضاع العالم لتفسيرها. وحين يحدث ذلك يصبح الواقع هو المتهم، لا النظرية. فإذا فشل الاقتصاد، قيل إن الشعب لم يفهم المبادئ. وإذا انهارت الدولة، قيل إن المؤامرات الخارجية هي السبب. وإذا ثار الناس، قيل إنهم ضحايا للدعاية. أما مراجعة الفكرة نفسها، فتظل من المحرمات.لقد قدم نقدا جذريا للرأسمالية في القرن التاسع عشر، وطرح أدوات تحليل ما زالت مؤثرة في الاقتصاد والاجتماع والسياسة. لكن ماركس لم يكتب دستورا أبديا للدول، ولم يدع أن نصوصه نهاية التاريخ. كان مشروعه في الأصل نقديا، يسعى إلى تفسير الواقع وتحليله. غير أن كثيرا من الأحزاب الشيوعية حولت هذا المشروع إلى منظومة مغلقة، فانتقلت الماركسية من منهج للنقد إلى عقيدة سياسية، ومن أداة للتغيير إلى نصوص تفسر كل شيء ولا تسمح لأحد بأن يفسرها. وأن ماركس نفسه كان ثائرا على المسلمات، بينما أصبح عند بعض أتباعه مسلمة لا يجوز الاقتراب منها. الرجل الذي دعا إلى نقد المجتمع، أصبح عند بعضهم فوق النقد. وهكذا تحولت الفلسفة إلى أرثوذكسية سياسية، وتحول التفكير إلى تكرار، وتحول الإبداع إلى حفظ للنصوص.لقد نبه إلى خطر النظريات التي تدعي امتلاك قوانين التاريخ، لأن من يعتقد أنه يعرف المستقبل قد يبرر أي وسيلة للوصول إليه. وعندما يقتنع حزب ما بأنه يمثل حتمية التاريخ، يصبح من السهل عليه تهميش المعارضة، وتأجيل الإصلاح، وتبرير الاستبداد باسم الغاية الكبرى.لكن الخطأ سيكون أكبر إذا اعتبرنا أن التجربة الصينية دليل على انتصار الشيوعية بوصفها نظرية. فالصين لم تبق أسيرة التطبيق الحرفي للماركسية الكلاسيكية. لقد أعادت تفسيرها بما يناسب تاريخها وثقافتها وبنيتها الاقتصادية. قبلت اقتصاد السوق، وشجعت الاستثمار الخاص، واستفادت من العولمة، وراهنت على التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا، وربطت شرعية الحزب بقدرته على تحسين مستوى المعيشة وتحقيق التنمية. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل انتصرت الشيوعية في الصين، أم انتصرت البراغماتية على الجمود الأيديولوجي؟ إن التجربة الصينية تكشف أن الدولة لا تعيش على الشعارات، بل على قدرتها على التعلم. لقد غيرت الصين سياساتها الاقتصادية مرات عديدة عندما اكتشفت أن بعض الخيارات لم تعد مناسبة. لم تعتبر التراجع عن سياسة معينة خيانة للعقيدة، بل استجابة لمتطلبات الواقع. وهذه المرونة قد تكون أحد أهم أسباب نجاحها.أصرت أحزاب شيوعية كثيرة على أن تظل وفية للنص أكثر من وفائها للمجتمع. انشغلت بالدفاع عن نقاء الفكرة، بينما كانت الدولة تتآكل، والاقتصاد يضعف، والتعليم يتراجع، والكفاءات تهاجر. تحولت المؤتمرات الحزبية إلى ساحات لإعادة إنتاج الخطاب نفسه، لا لمراجعة السياسات أو نقد الأخطاء.وفي كثير من التجارب الإفريقية والعربية، لم تكن المشكلة في الماركسية وحدها، بل في البيئة التي عملت فيها الأحزاب أيضا. فقد نشأت داخل دول ضعيفة، تعاني من الانقسامات القبلية والطائفية، ومن هشاشة المؤسسات، وضعف الاقتصاد، والتدخلات الخارجية، وأزمات الهوية. وفي مثل هذه البيئات، يصعب على أي مشروع سياسي أن ينجح إذا لم يبدأ ببناء الدولة قبل بناء الأيديولوجيا.لكن تحميل البيئة وحدها المسؤولية هو هروب آخر من النقد. فالبيئة الصعبة ليست قدرا يمنع النجاح، بل تحديا يختبر كفاءة القيادة. والصين نفسها لم تبدأ في ظروف مثالية، بل خرجت من حرب أهلية واحتلال وفقر واسع. لذلك فإن الفارق لا يفسر بالظروف وحدها، وإنما أيضا بطريقة إدارة تلك الظروف. لقد أدرك أن السلطة ليست مجرد سيطرة على مؤسسات الدولة، بل هي أيضا بناء للثقافة والمعرفة والوعي. ولهذا فإن أي حزب يهمل التعليم، والجامعة، والبحث العلمي، والإنتاج الثقافي، يخسر معركته حتى لو احتفظ بالسلطة السياسية. كما بين أن المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية تؤدي دورا حاسما في إعادة إنتاج الأفكار، وهو ما يجعل بناء الإنسان أكثر أهمية من مجرد بناء التنظيم.إن الأزمة الحقيقية ليست أزمة اليسار وحده، ولا أزمة اليمين، ولا أزمة الليبرالية أو القومية أو الإسلام السياسي. إنها أزمة العقل الأيديولوجي نفسه، ذلك العقل الذي يظن أن كتابا واحدا قادر على تفسير مجتمع متغير، وأن نظرية ولدت في سياق تاريخي معين تصلح لكل زمان ومكان دون مراجعة.فالأيديولوجيا حين تتحول إلى عقيدة مغلقة، تصبح عاجزة عن التعلم. وعندما تصبح عاجزة عن التعلم، تصبح عاجزة عن قيادة الدولة. لأن الدولة لا تدار باليقين، بل بالمراجعة المستمرة، وبالاعتراف بالأخطاء، وبالاستفادة من الخبرة، وبالقدرة على تعديل السياسات. إن الأمم لا تنهض لأنها تملك أفضل النظريات، وإنما لأنها تملك أفضل المؤسسات. والمؤسسات لا تبنى بالولاء الفكري، بل بالكفاءة، وسيادة القانون، والمساءلة، والإدارة الرشيدة، والاستثمار في الإنسان. أما الحزب الذي يقيس نجاحه بعدد الشعارات التي يرفعها، لا بعدد المدارس التي يبنيها، ولا بالمستشفيات التي يطورها، ولا بالوظائف التي يوفرها، فإنه يتحول مع الزمن إلى مؤسسة دعائية أكثر منه مؤسسة سياسية.أهم درس تقدمه الصين، سواء اتفقنا معها أم اختلفنا، هو أن الأفكار لا تكتسب شرعيتها من جمالها النظري، بل من نتائجها العملية. فالسياسة ليست امتحانا في حفظ النصوص، وإنما فن إدارة الواقع. والواقع لا يعترف بالأيديولوجيات، بل يعترف بمن ينجح في فهمه والتعامل معه.فإن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه النخب السياسية هو الاعتقاد بأن نجاح الصين وصفة جاهزة يمكن نقلها إلى أي بلد. فلكل مجتمع تاريخه، وثقافته، وبنيته الاقتصادية، ومؤسساته. ولذلك فإن تقليد الصين حرفيا قد يكون فشلا جديدا، تماما كما كان تقليد الاتحاد السوفيتي فشلا في تجارب كثيرة. المطلوب ليس استنساخ التجارب، بل فهم شروط نجاحها وإخضاعها للنقد. ربما لم يكن سر الصين أنها وجدت النظرية الكاملة، بل لأنها لم تجعل النظرية سجنا يمنعها من التعلم. وربما لم يكن سبب فشل تجارب أخرى أنها امتلكت النظرية الخاطئة، بل لأنها تعاملت مع النظرية بوصفها حقيقة نهائية لا تقبل المراجعة. إن الحضارات لا تصنعها العقائد الجامدة، بل العقول التي تجرؤ على مراجعة نفسها. ولا تنهار الأمم لأنها أخطأت، بل لأنها أصرت على تحويل الخطأ إلى عقيدة، وتحويل العقيدة إلى قدر، وتحويل القدر إلى مصير لا يجوز التفكير في تغييره.إن الحقيقة ليست ملكا لحزب، ولا لفيلسوف، ولا لدولة. الحقيقة مشروع إنساني مفتوح، يتقدم بالنقد أكثر مما يتقدم باليقين، وبالأسئلة أكثر مما يتقدم بالشعارات. وهذه، ربما، هي أعظم المفارقات التي يكشفها تاريخ الأيديولوجيات جميعها. زكريا-نمر ____________________________________________________________________________________________________________________________________________________________ تعقيب ومشاركة في النقاش : يمتاز المقال بقدرته على تجاوز السجال الأيديولوجي العقيم (نجاح/فشل) إلى تحليل مؤسسي وسوسيولوجي عميق، معتمداً على مفارقة أساسية: تحول الفلسفة النقدية إلى أيديولوجيا جامدة، وتحول الأيديولوجيا الجامدة إلى براغماتية منقذة في التجربة الصينية. لكن المقال يرتكب - في رأيي - ثلاثة مغالطات أو تبسيطات تستحق الوقوف عندها: المغالطة الأولى: فصل "النظرية الماركسية" عن "تطبيقاتها التاريخية" بشكل مثالي. المقال يعتبر أن الماركسية "نظرية نقدية" نقية، وأن الفشل هو نتيجة سوء التطبيق. لكن السؤال الأعمق هو: هل تحمل الماركسية - في نصوصها التأسيسية - بذوراً للجمود الأيديولوجي؟ فماركس نفسه تحدث عن "قوانين حتمية للتاريخ"، وهذه الفكرة قد تكون هي الأساس الذي سمح بتحويلها إلى عقيدة، وليس مجرد خطأ في التطبيق. المغالطة الثانية: اعتبار "البراغماتية الصينية" دليلاً على مرونة الفكر، دون السؤال عن ثمن هذه المرونة. نعم، الصين تبنت اقتصاد السوق، لكنها احتفظت بالسيطرة السياسية المطلقة للحزب. السؤال هنا: هل هذه "مرونة" أم هي "تحايل" على الجوهر الديمقراطي للنظرية الماركسية (الذي يفترض اضمحلال الدولة)؟ وما هو الثمن السياسي لهذه البراغماتية من حيث الحريات الفردية والتعددية؟ المغالطة الثالثة: تجاهل دور "الإكراه" كأداة لبناء المؤسسات. المقال يمدح بناء المؤسسات القوية في الصين، لكنه يتجاهل أن جزءاً كبيراً من هذه المؤسسات بُني على سياسات قسرية (كسياسة الطفل الواحد سابقاً، أو القمع السياسي للمعارضين). السؤال: هل يمكن بناء مؤسسات قوية وفاعلة دون درجة من القمع؟ أم أن النجاح الاقتصادي في الصين جاء على حساب ثمن سياسي واجتماعي كبير لم يذكره المقال؟ جملة من الأسئلة أرى ضرورة وواقعية طرحها لتعميق النقاش والتحليل النقدي : هل كان تحول الماركسية إلى أيديولوجيا جامدة حتمية داخل النص الماركسي نفسه، أم هو نتاج ظروف تاريخية (كالحاجة إلى توحيد الحركات العمالية)؟ · أي: هل المشكلة في ماركس أم في أتباعه؟ إذا كانت البراغماتية هي سر نجاح الصين، فلماذا تتمسك الدولة الصينية رسمياً بأيديولوجيا "الماركسية-اللينينية" بدلاً من التخلي عنها والاكتفاء بـ"النموذج التنموي الصيني"؟ · وما وظيفة الأيديولوجيا إذا كانت السياسة الفعلية تناقضها؟ هل يمكن لاقتصاد السوق أن يستمر طويلاً بظل نظام سياسي يرفض التعددية الحزبية والتداول السلمي للسلطة؟ · أم أن التناقض بين الرأسمالية الاقتصادية والشيوعية السياسية سيظهر حتماً مع مرور الوقت، كما تنبأت بذلك بعض القراءات الماركسية؟ ما هو تعريف "النجاح" هنا؟ · هل هو الناتج المحلي الإجمالي فقط، أم يشمل مؤشرات كالسعادة، والحرية، والعدالة الاجتماعية، والاستدامة البيئية؟ وهل يمكن للصين أن تحقق تقدماً في المؤشرات الأخيرة بنفس النموذج السياسي؟ إذا كانت البراغماتية هي الدرس الأساسي من الصين، فهل هذا يعني أن أي دولة يمكنها النجاح إذا تخلت عن أيديولوجيتها وتبنت سياسات مرنة، بغض النظر عن قيمها؟ · أم أن النجاح الصيني مرتبط بخصوصيات ثقافية (كالتقاليد الكونفوشية، ومركزية الدولة، والتجانس العرقي النسبي) لا يمكن نقلها. كيف يمكن التوفيق بين دعوة المقال إلى "مراجعة الأيديولوجيا" وواقع أن الحزب الحاكم في الصين يمنع أي مراجعة نقدية لسلطته أو لدوره التاريخي؟ · وهل يمكن لنظام سياسي يخاف من النقد أن ينتج عقولاً قادرة على الابتكار والمراجعة الذاتية التي يتحدث عنها المقال؟ بافتراض أن الصين استطاعت "تجنب الجمود الأيديولوجي" حتى الآن، ما هي الضمانات التي تمنع تحولها إلى جمود جديد في المستقبل، خاصة مع تراجع النمو الاقتصادي وشيخوخة السكان؟ هذه الأسئلة لا تهدف إلى إنكار إنجازات الصين، بل إلى تفكيك الفرضيات التي يبني عليها المقال نجاحها، والنظر إلى التجربة الصينية كحالة إنسانية معقدة تحمل في داخلها تناقضات ورهانات، وليس كنموذج أحادي البعد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق