الثلاثاء، 7 يوليو 2026
رد على تعقيب
Adil Ahmed Dark
ان انسي فلن انسي ماقاله عصمت الدسيس في تسعينات القرن الماضي عندنا خرج من الحزب مثلما خرج المرحوم الخاتم عدلان والحاج وراق. قال عصمت :ده حزب رمة ساي واظنه كذلك
======================================================================================================================
هذا الردّ الذي نقلته عن عصمت الدسيس - وهو أحد أبرز القيادات التي انشقت عن الحزب في التسعينيات، برفقة الراحل الخاتم عدلان والحاج وراق - يمثل اتهاماً ذاتياً من داخل البيت، وهو بالتالي أثقل من أي نقد خارجي.
وصف الحزب بأنه "رمة ساي" (أي العظم البالي الذي فقد مخه ونخاعه) ليس مجرد شتيمة، بل هو تشخيص لحالة من الجمود التنظيمي والعقم السياسي، صادرة عن شخص عاش تفاصيل الحزب وخرج منه وهو يحمل مرارة الخبرة لا مرارة الهزيمة وحدها .
كما أن هذه الاستعارة تصف حالة الحزب ؛ بأنه أصبح جسماً بلا روح؛ أي أنه احتفظ بهيكله التنظيمي ومفاصله (اللجان، المؤتمرات، البيانات)، لكنه فقد القدرة على الحركة والفعل والتكاثر الاجتماعي. وهذا يتقاطع بشدة مع جوهر المقال السابق، الذي قال إن الحزب فشل في تحويل رأسماله الفكري إلى رأسمال اجتماعي وسياسي. عصمت الدسيس، هنا، يمنح المقال شهادة وفاة داخلية، لكن بلغة أكثر قسوة: لم يعد مجرد عاجز، بل أصبح ميتاً .
نقد : لماذا هي صادقة جزئياً وقاصرة كلياً؟
· الجانب الصادق فيها: من عاش داخل الحزب وعرف آلياته البيروقراطية، وانكسار أحلامه في التحول إلى حزب جماهيري، يمتلك شرعية تاريخية لقول هذا الكلام. فالعقد الذي أعقب انشقاقات التسعينيات شهد تحول الحزب إلى ما يشبه الندوة الفكرية أكثر من كونه آلة ثورية، وهو ما يبرر وصفه بالجمود.
· الجانب القاصر فيها: أن الأحكام التي يصدرها المنشقون، خصوصاً في لحظة الغضب والقطيعة، غالباً ما تميل إلى التعميم المطلق. فالحزب، رغم كل عيوبه، ظل يحتفظ بذاكرة تاريخية نضالية، وقدرة على التأثير في المحطات الكبرى (كان له دور في انتفاضة أكتوبر 1964 وإسقاط نميري في 1985، وكان حاضراً في ثورة ديسمبر 2018 بطريقة غير مباشرة). وصفه بـالرمة يتجاهل أن الرمة في الثقافة السودانية قد تستخدم كـسماد يخصب الأرض بعد موته، أي أن إرثه الفكري والأخلاقي يظل موجوداً حتى لو مات جسده التنظيمي .
لو قبلنا بحكم الدسيس كحقيقة نهائية، فهذا يعني أننا نغلق ملف اليسار السوداني إلى الأبد، ونسلم بأن كل محاولات الإصلاح المستقبلية غير مجدية. لكن هنا يبرز سؤال نقدي:
إذا كان الحزب قد تحول إلى رمة منذ التسعينيات، فكيف استمر في إنتاج مفكرين ونقاد وكوادر نقابية حتى العقد الثاني من الألفية الجديدة؟ وكيف ظلّ يشكّل هاجساً للأنظمة العسكرية التي ظلت تخافه وتلاحقه؟
هذا لا ينفي صحة وصف الدسيس للحظة التي خرج فيها، بل يدعونا إلى التفريق بين موت التنظيم وموت الفكرة. ربما مات التنظيم كأداة سياسية فاعلة، لكن الفكرة ظلت حاضنة لأجيال جديدة من الناقدين، حتى لو لم يكونوا منظمين تحت
لواء الحزب ، بدلاً من أن يرد اليسار على عصمت الدسيس بالدفاع عن بطولاته القديمة، أو اتهامه بالمرارة، عليه أن يستخدم هذا النقد كـجرح مفتوح يستدعي المراجعة. التسعينيات كانت نقطة تحول كبرى: انهار الاتحاد السوفيتي، وتلاشت الأحلام الكبرى، وفشلت تجارب اليسار في الحكم. خروج كوادر بحجم الدسيس وعدلان ووراق كان مؤشراً واضحاً على أن الحزب فشل في تجديد دمائه، ليس فقط على مستوى القيادة، بل على مستوى المنهج وأدوات العمل.
نعم، كلمات عصمت الدسيس موجعة، وهي أقرب إلى المرثية السياسية منها إلى النقد البارد . لكن التعامل معها باعتبارها حقيقة مطلقة يقودنا إلى طريق مسدود، والتعامل معها باعتبارها كذبة من منشق يقودنا إلى طريق التعصب.
الطريق الثالث هو اعتبارها شهادة حالة لمرحلة معينة من عمر الحزب، تدعو اليسار اليوم إلى التساؤل بصدق:
هل ما زلنا نحمل رمة ميتة في أيدينا، أم أننا قادرون على استخلاص العظم والعصارة من تلك الرمة لنخلق كياناً جديداً يتنفس خارج أدراج النخبة وداخل تفاصيل الناس؟
العبرة ليست في أن نصدق الدسيس أو نكذبه، بل في أن نستخدم قسوته كمرآة لمراجعة ذاتية قاسية، ربما تكون تلك هي الطريق الوحيد لإحياء ما تبقى من روح في الجسد اليساري السوداني . شكرا لمرورك الكريم واعتذر للإطالة .
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق