الخميس، 16 يوليو 2026

كيف يمكن أن نحقق نتائج مختلفة… ونحن نواصل اعتماد السياسات نفسها ؟ مع تعقيب على المقال

ليست المشكلة في أن تضع الدولة أهدافًا طموحة. فكل الشعوب تحتاج إلى الطموح، وكل الاقتصادات تحتاج إلى رؤية للمستقبل. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الأهداف المعلنة تسير في اتجاه، بينما السياسات المطبقة على أرض الواقع تسير في اتجاه معاكس. وهذا، في تقديري، أحد أخطر الاختلالات التي تعاني منها تونس اليوم. فكيف يمكن تفسير هذه المفارقات؟ أولًا: دولة ترزح تحت جبل من الديون… لكنها لا تعتمد قانونًا شاملاً لمقاصة الديون. في الوقت الذي تعاني فيه المالية العمومية من ضغوط غير مسبوقة، وتجد المؤسسات العمومية والخاصة نفسها مدينة للدولة، وفي المقابل دائنة لها، يبقى مشروع قانون المقاصة مؤجلًا. مع أن هذه الآلية لا تتطلب تمويلًا جديدًا، ولا تزيد في الكتلة النقدية، ولا تمثل إعفاءً من الديون، بل هي مجرد إعادة ترتيب للحقوق والالتزامات بين مختلف الأطراف. ولو تم اعتمادها بجدية، لأمكن: • تخفيف الضغط على الخزينة. • تحسين سيولة المؤسسات. • تقليص الحاجة إلى الاقتراض. • تحرير موارد مالية يمكن توجيهها إلى الاستثمار بدل خدمة الدين. إنها من الإصلاحات التي تحقق نتائج كبيرة بكلفة شبه معدومة. ⸻ ثانيًا: دولة يعادل فيها العجز الطاقي أحد أكبر مصادر استنزاف العملة الصعبة… لكنها لا تعبئ كل قدراتها لإنتاج الكهرباء. العجز الطاقي لم يعد مجرد رقم في الميزان التجاري. لقد أصبح أحد أهم أسباب ضعف احتياطي النقد الأجنبي، وارتفاع المديونية، وتدهور القدرة التنافسية للمؤسسات. ورغم ذلك، لا تزال استثمارات الشركة التونسية للكهرباء والغاز في إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة محدودة، تحت مبرر فتح المجال أمام الاستثمار الخاص. لكن لماذا نضع القطاعين في مواجهة بعضهما؟ أليس الأولى أن تعمل الدولة والقطاع الخاص معًا؟ فالستاغ تمتلك الخبرة، والشبكات، والكفاءات، ويمكنها إنجاز مشاريع استراتيجية بالشراكة مع القطاع الخاص، لا بالتراجع أمامه. كل ميغاواط جديد من الطاقة المتجددة يعني: * واردات أقل من الغاز. * ضغطًا أقل على احتياطي العملة. * عجزًا تجاريًا أقل. * كهرباء أقل كلفة. * تنافسية أكبر للاقتصاد الوطني. * وسيادة طاقية أقوى. وفي ظل الأزمة الحالية، فإن تعطيل أي استثمار منتج للطاقة هو في حد ذاته كلفة اقتصادية يومية. ⸻ ثالثًا: دولة تعاني من ركود تضخمي… لكنها تراهن على معدل نمو بـ4.2% واستثمارات تتجاوز 100 مليار دينار. هذا الهدف ليس مستحيلًا. لكنه لن يتحقق بمجرد إدراجه في وثيقة رسمية. فالاقتصاد لا ينمو بالتصريحات. إنما ينمو عندما تتوفر: * الثقة. * الاستقرار. * التمويل. * الحوكمة. * العدالة الجبائية. * إدارة فعالة. * قضاء اقتصادي سريع. * وسياسات نقدية ومالية متناسقة. أما إذا بقي الاستثمار العمومي ضعيفًا، والاستثمار الخاص مترددًا، والإصلاحات بطيئة، فإن الأرقام ستبقى حبرًا على ورق. ⸻ رابعًا: دولة تريد تعبئة أكثر من 100 مليار دينار من الاستثمارات… لكنها لا تزال تبقي على أهم العوائق التي تمنع الاستثمار. كيف يمكن إقناع المستثمر بضخ أمواله في اقتصاد يعاني من: * ارتفاع كلفة التمويل؟ * بطء الإجراءات الإدارية؟ * تعدد التراخيص؟ * غياب الاستقرار الجبائي والتشريعي؟ * ضعف الرقمنة؟ * طول آجال التقاضي؟ * وصعوبة النفاذ إلى التمويل؟ إن الاستثمار لا يُفرض بالقوانين، بل يُستدرج بالثقة. ورأس المال لا يبحث فقط عن الربحية، بل يبحث أيضًا عن الوضوح، والاستقرار، وسرعة اتخاذ القرار. ⸻ القضية ليست في الأرقام… بل في مدى انسجام السياسات مع الأهداف. فالاقتصاد ليس علم الأمنيات. إنه علم الأسباب والنتائج. إذا كانت السياسات نفسها تنتج منذ سنوات نموًا ضعيفًا، واستثمارًا محدودًا، وعجزًا متفاقمًا، ومديونية متزايدة… فبأي منطق نتوقع أن تنتج، غدًا، نتائج مختلفة؟ إن تونس لا تحتاج اليوم إلى أهداف أكثر طموحًا فقط. بل تحتاج قبل ذلك إلى شجاعة سياسية تعيد ترتيب الأولويات، وإلى جرأة إصلاحية تجعل كل السياسات العمومية تعمل في الاتجاه نفسه. فالنجاح الاقتصادي لا يصنعه حجم الأهداف المعلنة… بل يصنعه اتساق القرارات التي تقود إليها Abdelbasset Sammari ========================================================================================================================================== المقال يقدم تشخيصاً دقيقاً للأعراض مثل الاختلالات المالية ، العجز الطاقي ، ضعف الاستثمار ، ويحمل مسؤولية ذلك لـعدم اتساق السياسات وضعف الإرادة السياسية . لكن من منظور نقدي ، يظل هذا التحليل محصوراً في سطح الظاهرة ( الدائرة التداولية والمالية ) ، بينما يكمن جوهر الأزمة في بنيان الإنتاج وعلاقات الملكية وطبيعة الدولة نفسها و لتطوير النقاش ، يمكن مقاربة النقاط الأربع التي طرحتها بالشكل التالي ، أزمة الديون والمقاصة ليست تقنية ، بل صراع طبقي على فائض القيمة . المقال يقترح مقاصة الديون كحل محايد لتحسين السيولة. النقد يتجاوز هذا الطرح فالدولة في تونس ( كدولة رأسمالية تابعة ) ليست وسيطاً محايداً بين الدائنين والمدينين ، بل هي أداة لضمان استمرار تراكم رأس المال لصالح الفئة المالية ( البنوك والبرجوازية التجارية ) . تأجيل مقاصة الديون ليس خطأً إدارياً ، بل هو تعبير عن صراع داخل النخبة الحاكمة ؛ فالبنوك ( المقرضة للدولة ) تستفيد من أسعار الفائدة المرتفعة على الدين العمومي ، وتحويل أموال الخزينة لخدمة هذا الدين هو بمثابة نقل جماعي لفائض القيمة المنتج من قبل العمال والفلاحين إلى جيوب الممولين . الحل لا يكمن في إعادة ترتيب الحقوق ، بل في إعادة هيكلة الملكية وإخضاع القطاع المالي لخدمة الإنتاج وليس للربا وتكديس الأرباح . أزمة الطاقة ليست عجزاً في الإنتاج ، بل تعبير عن التبعية للإمبريالية ، المقال يدعو للتعاون بين الستاغ والقطاع الخاص لإنتاج الطاقة المتجددة . الواقع علينا أن ننظر للطاقة كسلعة استراتيجية وليس كبضاعة عادية . فتح المجال للقطاع الخاص ( خاصة الأجنبي ) في الطاقة لا يعني بالضرورة سيادة طاقية ، بل قد يعني خصخصة الأرباح وتأميم الخسائر ( تبقى شبكات النقل والتوزيع مملوكة للدولة تتحمل تكاليفها ، بينما تذهب أرباح الإنتاج للمستثمرين ) . المشكلة الجوهرية هي أن النموذج التنموي التونسي قائم على استيراد التكنولوجيا والمواد الأولية ؛ لذا فإن إنتاج الكهرباء محلياً ، وإن كان مهماً ، لا يكسر التبعية طالما أن وسائل الإنتاج ( الألواح ، التوربينات ، التمويل ) مستوردة وتصدر فائض القيمة نحو الخارج . برأيي أن الحل الجذري هو في التخطيط المركزي للطاقة ضمن سياق تنمية صناعية وطنية تنتج وسائل الإنتاج بنفسها . النمو بـ4.2% والاستثمار بـ100 مليار : وهم الثقة في ظل تناقض الرأسمالية ؛ فالمقال يربط النمو بالثقة ، والاستقرار، والحوكمة . بينما الرأسمالية بطبيعتها تعاني من أزمات دورية ؛ فانخفاض معدل الربح في القطاعات الإنتاجية ( الصناعة والفلاحة ) يدفع رأس المال نحو المضاربة والعقار والتجارة ( القطاعات غير المنتجة ) . عندما يطالب المقال بالعدالة الجبائية وتوحيد السياسات ، فهو يخاطب الدولة وكأنها كيان فوق طبقي يمكنه إجبار رأس المال على الاستثمار . لكن الواقع أن الدولة التونسية ، ببيروقراطيتها ، هي انعكاس للتوازنات الطبقية ؛ فالبرجوازية التجارية المستفيدة من الاستيراد تعارض الإصلاحات الجبائية ، والبرجوازية العقارية تعارض توجيه الائتمان نحو الإنتاج . لذا ، فإن استمرار السياسات نفسها ينتج النتائج نفسها ، ليس بسبب غياب الشجاعة ، بل لأن أي تغيير جوهري في السياسات سيمس مباشرة بمصالح الطبقات المسيطرة على جهاز الدولة . عوائق الاستثمار: ليست إدارية، بل هيكلية ( ضعف السوق الداخلية ) ، المقال يعدد العوائق ( الإجراءات ، القضاء ، التمويل ) . الواقع التاريخي يدفعنا لإضافة عائقاً أكثر عمقاً : ضآلة القوة الشرائية للجماهير. فلماذا يستثمر رأس المال في توسيع الإنتاج في تونس طالما أن السوق الداخلية منكمشة بسبب تراجع الأجور الحقيقية وارتفاع البطالة ؟ التركيز على جذب الاستثمار الخارجي هو هروب من المعضلة الأساسية : لا يمكن تحقيق نمو دائم دون إعادة توزيع جذري للثروة لتعزيز الطلب الداخلي . الإصلاحات الإدارية لن تجذب المستثمر طالما أن معدل الاستهلاك المحلي متراجع . لتطوير النقاش نحو رؤية منهجية ، اقترح المحاور الأتية : فالمشكلة ليست في أن السياسات لا تسير باتجاه الأهداف ، بل في أن الأهداف نفسها ( نمو رأسمالي قائم على التصدير والاستثمار الأجنبي ) هي التي أوصلتنا إلى المأزق . الحل هو في تغيير نمط الإنتاج عبرالانتقال إلى اقتصاد موجه نحو تلبية الاحتياجات الاجتماعية ( السكن ، الصحة ، التعليم ، الغذاء ) بدلاً من اقتصاد موجه نحو تحقيق أرباح لرأس المال . الدولة ليست حكماً ، بل ساحة صراع : بدلاً من مناشدة الدولة أن تتشجع، يجب تفكيك تركيبتها الطبقية . فالإصلاح الحقيقي لا يأتي من قرارات وزير أو رئيس حكومة ، بل من إعادة هيكلة مؤسسات الدولة بحيث تصبح أداة في يد الطبقات الشعبية ( العمال ، الفلاحون ، الموظفون الصغار ) وليس في يد النخب المالية والإدارية التي تستفيد من الوضع الراهن . المقال يتعامل مع الموارد المالية والطاقية كأنها ندرة طبيعية ، بينما الندرة هي نتاج اجتماعي لتوزيع غير عادل . فتونس تملك موارد بشرية وطبيعية ؛ لكنها تستنزف لخدمة الديون الخارجية واستيراد الحاجيات الكمالية للطبقات العليا . الحل هو فرض رقابة شعبية على حركة رأس المال وإعادة توجيه الادخار الوطني نحو التصنيع بدلاً من تمويل عجز الميزانية . إن نقدي للمقال ليس رفضاً لتشخيصه ، بل تعميقاً له . فالمقال يرى أن السياسات الخاطئة هي السبب ، ونحن نضيف أن تلك السياسات هي النتيجة الحتمية لبنية اجتماعية تقوم على الاستغلال الطبقي . طالما أن وسائل الإنتاج الرئيسية ( البنوك ، الشركات الكبرى ، الأراضي ) ملك لفئة ضيقة ، وأن الدولة مرتهنة لصندوق النقد وللممولين الأجانب ، فإن أي محاولة لإصلاح السياسات ستظل تراوح مكانها . النقلة النوعية لا تحتاج إلى جرأة إصلاحية بقدر ما تحتاج إلى تحول في ميزان القوى الاجتماعية لصالح الطبقات المنتجة ، وهو ما يتجاوز بكثير حدود السياسات المالية والإدارية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق