السبت، 25 يوليو 2026

العزل السياسي في سورية... عدالة انتقالية أم بوابة لحرب أهلية مؤجلة ؟ تعقيبي على مقال د. بسام أبو عبدالله

د. بسام أبو عبد الله 26 تموز 2026 يثير مشروع قانون العزل السياسي المتداول في سورية أسئلة تتجاوز كثيراً حدود القانون، لتصل إلى طبيعة الدولة التي يجري بناؤها بعد سقوط النظام السابق. فالعدالة الانتقالية، في التجارب المقارنة، لم تكن يوماً أداة للانتقام أو للإقصاء الجماعي، بل وسيلة لتحقيق العدالة، وحماية المجتمع، وكشف الحقيقة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين. لكن المشروع المتداول يثير مخاوف حقيقية، ليس لأنه يلاحق مرتكبي الجرائم، فهذا واجب قانوني وأخلاقي، وإنما لأنه قد يحول مئات الآلاف، وربما ملايين السوريين، إلى مواطنين من الدرجة الثانية بسبب وظائفهم السابقة أو انتماءاتهم السياسية، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى توافقه مع مبادئ العدالة الانتقالية، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وحتى مع متطلبات بناء دولة مستقرة بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من الحرب. والأخطر من ذلك أن مشروع القانون، بصيغته المتداولة، لا يبدو مجرد إجراء قانوني مؤقت، بل محاولة لإعادة هندسة المجتمع السياسي السوري عبر استبعاد شريحة واسعة من المواطنين قبل أن يمتلك الشعب نفسه حق اختيار شكل الدولة ونظام الحكم، وهنا لا يعود الحديث عن عدالة انتقالية بقدر ما يصبح الحديث عن إعادة توزيع للسلطة تحت غطاء القانون، بما يهدد بتحويل القانون من أداة لتحقيق العدالة إلى وسيلة لفرض ميزان قوى سياسي جديد. أولاً: ما المقصود بالعزل السياسي؟ العزل السياسي هو حرمان شخص أو مجموعة من الأشخاص من ممارسة بعض الحقوق السياسية، مثل تولي المناصب العامة أو الترشح للانتخابات، خلال فترة زمنية محددة أو بصورة دائمة. وفي الفقه الدستوري، لا يكون العزل مشروعاً إلا إذا استند إلى مسؤولية فردية تثبتها محاكمة عادلة أمام قضاء مستقل، وليس إلى مجرد الانتماء السياسي أو شغل وظيفة عامة. أما عندما يتحول إلى عقوبة جماعية، فإنه يفقد طبيعته القانونية، ويتحول إلى وسيلة للإقصاء السياسي وإعادة تشكيل الحياة العامة وفق معايير الولاء، لا وفق معايير العدالة. ثانياً: هل يحق لسلطة انتقالية إصدار مثل هذا القانون؟ هنا تكمن الإشكالية الأساسية. فالسلطة الحالية سلطة انتقالية تشكلت في ظروف استثنائية، ولم تصل إلى الحكم عبر انتخابات عامة، كما أن السلطة التشريعية القائمة معينة وليست منتخبة. ومن ثم، فإن إصدار قانون يعيد رسم الحياة السياسية لعقود مقبلة، ويحرم أعداداً كبيرة من المواطنين من حقوقهم السياسية، يثير سؤالاً جوهرياً حول حدود الشرعية الدستورية لهذه السلطة. فالسلطات الانتقالية وجدت لإدارة مرحلة مؤقتة وتهيئة الظروف لعودة الإرادة الشعبية، لا لإعادة صياغة النظام السياسي بصورة نهائية قبل أن يقول السوريون كلمتهم عبر انتخابات حرة ودستور يقرونه بأنفسهم. ثالثاً: كم يبلغ عدد السوريين الذين قد يشملهم العزل؟ إذا صحت الوثائق المتداولة، فإن المشروع لا يقتصر على كبار المسؤولين، بل يشمل الوزراء، وأعضاء مجلس الشعب، والمحافظين، والقضاة، وكبار الموظفين، والقيادات الحزبية، والضباط، ورؤساء الجامعات، وعمداء الكليات، إضافة إلى كل من يثبت أنه "دعم النظام السابق أو ساهم في استمراره"، وهذه العبارة وحدها كفيلة بتوسيع دائرة العزل إلى حدود غير مسبوقة، لأنها تفتقر إلى تعريف قانوني دقيق، وتفتح الباب أمام تفسيرات واسعة قد تشمل أشكالاً مختلفة من التعبير السياسي أو الإعلامي أو الثقافي إذا لم تحدد معاييرها القانونية بدقة. وإذا أخذنا المادة المتعلقة بقيادات وأعضاء حزب البعث منذ عام 1970 بحرفيتها، فإن دائرة العزل لن تتوقف عند كبار المسؤولين، بل قد تمتد إلى ملايين السوريين الذين انتسبوا إلى الحزب خلال أكثر من خمسة عقود، سواء بدافع القناعة، أو بحكم ضرورات الوظيفة، أو لأسباب اجتماعية وإدارية فرضتها طبيعة النظام السابق، وعندها لا يعود القانون موجهاً ضد أفراد تثبت مسؤوليتهم القانونية، بل يتحول إلى عملية إقصاء جماعي غير مسبوقة في التاريخ السوري الحديث. رابعاً: ماذا تقول التجارب الدولية؟ غالباً ما يُستشهد بألمانيا والعراق لتبرير العزل السياسي، لكن هذه المقارنة تحتاج إلى كثير من الدقة. ففي ألمانيا، اقتصر العزل تدريجياً على القيادات النازية المسؤولة عن الجرائم، بينما أعيد دمج مئات الآلاف من الموظفين والخبراء حفاظاً على استمرارية مؤسسات الدولة وإعادة بناء المجتمع. كما أن سياسة إزالة النازية مرت بمراحل متعددة، وشهدت لاحقاً مراجعات واسعة انتهت إلى إعادة دمج أعداد كبيرة من العاملين في مؤسسات الدولة، إدراكاً لاستحالة إدارة دولة حديثة بسياسة الإقصاء الشامل. وفي جنوب أفريقيا، اختير طريق الحقيقة والمصالحة، فكان كشف الحقيقة والاعتراف بالانتهاكات أساساً للمصالحة الوطنية، بدلاً من الإقصاء الجماعي. أما العراق، فقد أصبح المثال الأكثر وضوحاً على مخاطر التوسع في العزل السياسي. فقد أدى قانون اجتثاث البعث بعد عام 2003 إلى استبعاد أعداد هائلة من العسكريين والموظفين والقضاة والأكاديميين والمهندسين والأطباء من مؤسسات الدولة، ليس بسبب إدانتهم بجرائم فردية، وإنما بسبب انتمائهم الحزبي أو وظائفهم السابقة، وكانت النتيجة انهياراً واسعاً في مؤسسات الدولة، وتعميق الانقسام المجتمعي، وخلق بيئة ساهمت في استمرار العنف والإرهاب وعدم الاستقرار لسنوات طويلة. وقد دعت لاحقاً جهات أممية وعدد من الباحثين المتخصصين في العدالة الانتقالية إلى مراجعة تلك السياسات بسبب آثارها السلبية على بناء الدولة. ولم يعد خافياً أن تجربة اجتثاث البعث في العراق أصبحت تُستحضر اليوم بوصفها نموذجاً لما ينبغي تجنبه، لا لما ينبغي تكراره. وقد أقر بول بريمر، الحاكم المدني للاحتلال الأميركي للعراق آنذاك، في مراجعات لاحقة، بأن بعض القرارات، وفي مقدمتها حل الجيش والتوسع في اجتثاث البعث، كانت من بين الأسباب التي ساهمت في زعزعة استقرار العراق وإنتاج نتائج كارثية لم تكن محسوبة. والدرس المشترك في جميع هذه التجارب أن العدالة الانتقالية تنجح عندما تقوم على المسؤولية الفردية، لا على العقوبات الجماعية. خامساً: ماذا يؤشر هذا المشروع سياسياً؟ لا يمكن قراءة مشروع العزل السياسي بمعزل عن السياق العام. فحتى الآن لم تشهد سورية انتقالاً ديمقراطياً بالمعنى الدستوري، ولم تُجر انتخابات عامة، بينما تركزت السلطة بيد قوى ذات مرجعية إسلاموية وصلت إلى الحكم في ظروف استثنائية، في ظل بيئة إقليمية ودولية معقدة، وما رافقها من تفاهمات ودعم خارجي تناولته تقارير وتحليلات عديدة. كما أن معظم الإجراءات التي اتخذت منذ انتقال السلطة تشير إلى اتجاه نحو تركيز السلطة، وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤية سياسية وأيديولوجية محددة. ومن هذا المنطلق، يبدو مشروع العزل السياسي جزءاً من عملية إعادة تشكيل المجال السياسي، بحيث يجري استبعاد قطاع واسع من النخب السابقة قبل أن تتاح للسوريين فرصة اختيار نظامهم السياسي عبر انتخابات حرة. ويمكن الجزم بدوافع السلطة من خلال اتساع نطاق المشروع، وتوقيته، وصياغاته الفضفاضة، ما يعكس توجهاً لإعادة رسم الخريطة السياسية من أعلى، والسيطرة المطلقة لطائفة هيئة تحرير الشام، ومناصريها فقط على كل مفاصل الدولة، والحياة السياسية. ويبرز هنا سؤال لا يمكن تجاهله: هل سيشمل العزل السياسي أيضاً أولئك الذين كانوا من أبرز رموز الفساد والانتهاكات في المرحلة السابقة، ثم غيّروا ولاءاتهم والتحقوا بالسلطة الجديدة؟ أم أن معيار العزل سيكون الانتماء السابق فقط، بينما يصبح تغيير الولاء سبباً للإعفاء؟ وهو سؤال يرتبط مباشرة بمبدأ المساواة أمام القانون وعدم الانتقائية في تطبيقه. فالعدالة التي تطبق بمعايير مزدوجة لا تبني دولة قانون، بل تؤسس لفقدان الثقة بالمؤسسات منذ ولادتها. سادساً: ما هي المخاطر السياسية والاجتماعية؟ إن أخطر ما في المشروع أنه قد يؤدي إلى تحويل الانقسام السياسي إلى انقسام قانوني دائم. فعندما يشعر مئات الآلاف، وربما الملايين، من المواطنين بأنهم مستبعدون من الحياة العامة بسبب ماضيهم الوظيفي أو السياسي، فإن ذلك لا يضعف شعورهم بالانتماء إلى الدولة الجديدة فحسب، بل يزرع شعوراً دائماً بالغبن والإقصاء، وهو ما يزيد احتمالات الاحتقان السياسي والاجتماعي. كما أن استبعاد هذا العدد الكبير من القضاة، والإداريين، والضباط، والأكاديميين، والخبراء، قد يحرم الدولة من خبرات تراكمت عبر عقود، ويجعل إعادة بناء مؤسساتها أكثر صعوبة. والأخطر من ذلك أن الإقصاء الجماعي لا ينهي الصراع، بل يعيد إنتاجه بأشكال جديدة، لأن المجتمعات لا تستقر عندما يشعر جزء كبير منها بأنه فقد حقه في المشاركة في مستقبل وطنه. إن أخطر ما قد ينجم عن هذا المشروع ليس مجرد إقصاء سياسي، بل دفع شرائح واسعة من المجتمع إلى الاعتقاد بأن القانون لم يعد يحميهم، بل يستهدفهم. وعندما يفقد القانون حياده، تتحول العدالة إلى مصدر جديد للصراع، وتصبح الدولة نفسها طرفاً في الانقسام، بدلاً من أن تكون الإطار الجامع لجميع مواطنيها. سابعاً: ما البديل؟ البديل ليس الإفلات من العقاب، بل العدالة الحقيقية. أي محاسبة كل من ارتكب جرائم من خلال قضاء مستقل، واحترام مبدأ المسؤولية الفردية، وضمان حق الدفاع والطعن، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وإطلاق مصالحة وطنية شاملة تقوم على الحقيقة والإنصاف، لا على الانتقام والإقصاء. فالدول لا تبنى بإبعاد مواطنيها، وإنما بإشراكهم في بناء مستقبلها، ضمن دولة قانون تحترم المساواة بين جميع المواطنين، وتفصل بين المسؤولية الجنائية الفردية والانتماءات السياسية أو الوظيفية. ثامناً: وأخيراً إن أخطر ما يكشفه مشروع قانون العزل السياسي ليس عدد الأشخاص الذين قد يشملهم، وإنما الفلسفة التي يقوم عليها. فإذا تحولت العدالة الانتقالية إلى وسيلة لإعادة تشكيل المجتمع وفق معيار الولاء السياسي أو الأيديولوجي، فإنها تفقد مشروعيتها القانونية والأخلاقية، وتتحول إلى أداة لإنتاج انقسامات جديدة قد تمتد آثارها لأجيال. لقد دفعت سورية ثمناً يفوق الوصف خلال أكثر من خمسة عشر عاماً من الحرب والدمار والانقسام والتهجير، ولم يعد السوريون يحتملون أن تتحول القوانين إلى أدوات لتصفية الحسابات أو إعادة توليد الانقسام بصيغ جديدة. إن سورية ليست ملكاً لسلطة، ولا لحزب، ولا لأيديولوجيا، ولا لجماعة، ولا لمن انتصر في معركة، بل هي وطن لكل السوريين، بكل أطيافهم وانتماءاتهم وذكرياتهم وآلامهم. ولا يمكن لوطن أنهكته الدماء أن ينهض إذا استبدل جداراً بجدار، أو إقصاءً بإقصاء، أو استبداداً بآخر. فالأوطان لا تبنى بالثأر، بل بالعدالة، ولا تحفظ بالانتقام، بل بالمصالحة، ولا تستعيد روحها إلا عندما يشعر كل مواطن أن له مكاناً فيها، وأن مستقبله لا يصادر بسبب ماضيه، وأن القانون يحميه ولا ينتقم منه. فالعدالة الانتقالية لا تُقاس بعدد من يُقصَون من المجال العام، بل بقدرتها على الجمع بين المحاسبة والإنصاف، وصون الحقوق، ومنع تكرار الانتهاكات، وتهيئة الأساس لدولة قانون يتساوى فيها جميع المواطنين أمام القضاء. ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل تشريع، وكل خطاب سياسي، وكل مشروع للمرحلة المقبلة هو: هل نريد أن نكتب الصفحة الأخيرة من الحرب السورية، أم أننا، من حيث ندري أو لا ندري، نؤسس لحرب أهلية مؤجلة تتوارثها الأجيال القادمة؟ ============================================================================================= كل ما جرى وما يجري في سورية بدءا من تغيير دورها الوظيفي وتدمير الدولة ومؤسساتها وأهمها الجيش العربي السوري والثورة المضادة فيها ونجاح العدوان عليها منذ أكثر من ثمانين عاما ، وتسليم الحكم فيها لسلطة الأمر الواقع هي فعليا عصابات إرهابية تمثل السلطة القائمة بالاحتلالات الأمريكية والتركية والصهيونية الإستيطانية ، بهدف تدمير أية إمكانية للمقاومة مهما كان اتجاهها السياسي والفكري وتدمير محور المقاومة في سبيل الهيمنة الأمريكية وتكريس القطب الواحد وتحويل الصراع من صراع عربي صهيوأمريكي تحرري إلى صراع إقليمي بين قوى العدوان الاحتلال التركي العثماني الجديد والإستيطان الصهيوني لهدف ما يسمى إسرائيل الكبرى أي لصراع على إعادة تقسيم سورية إلى محميات إثنية وطائفية بعد تمزيق نسيجها الأجتماعي لغايات التغييرات الديموغرافية فيها وزوالها وإبقاء الأمور فيها تحت صفيح بركان هوياتي برامجي بكل الصعد وكل المستويات للإبقاء على شرعية وواقعية الاحتلالات والحاجة إلى وجودها ودورها ، أما الحل فبرايي يبدأ من تبني المقاومة الشعبية مهما كانت الإمكانات ، ومحاربة أولا الإرهابيين السوريين - من اقصى اليمين إلى أقصى اليسار - الذين تبنوا الأجندة السياسية لدول العدوان على سورية وارتضوا أن يكونوا أدوات مطيعة ومؤثرة في نجاح العدوان بخسارة قليلة أو متوسطة لدول العدوان ، ثم محاربة الإرهاب الأجنبي الدخيل على سورية . هذا بتصوري بداية كل عمل أو نشاط سياسي لتخليص سورية من واقعها الراهن .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق