الثلاثاء، 7 يوليو 2026
تعقيب على التعقيب في الفارق بين عمل النخب اليسارية وعمل الحركات الدينية .
Abdalla Imam
أذا كان الحزب الشيوعي لا يستطيع انجاز كل ما اشرت اليه اعلاه او لا ينبغي له ان يعمل علي تحقيقها لنظرا للظروف التي سقتها وهي لعمري من اولى اولويات العمل الثوري و الفاعليه الثوريه اذا لماذا الحزب الشيوعي موجود
لقد كدتَ يا اخيان تقول بنظرية عدم جدوي اشعال احدهم النار في نفسه لينير الطريق لرجل اعمي او نظرية سكين الضراع لليوم الاسود .
==================================================================================================
Abdalla Imam رفيقي العزيز، قرأت تعقيبك باهتمام، وأتفهم حدة تساؤلك: إذا كان الحزب لا يستطيع، فلماذا هو موجود؟ لكن دعني أوضح أن المقال لم يقل إن الحزب لا يستطيع أو لا ينبغي أن يعمل، بل قال إنه عجز تاريخياً، والعجز يختلف عن عدم الجدوى. الفرق أن الجدوى مرتبطة بصلاحية المبدأ، بينما العجز مرتبط بآليات التطبيق والظروف الموضوعية.
لكن ما أثار انتباهي حقاً في نقاشنا هو ما تفضلت به عن ارتباط النخب اليسارية بالدولة، وارتباط الحركات الدينية بالمجتمع، وأود هنا أن أضع الفرق بينهما في إطار أكثر دقة، لأنه ليس مجرد فرق في الحضور اليومي ، بل هو فرق في فلسفة العمل السياسي ذاته :
النخبة اليسارية تعاملت مع المجتمع باعتباره موضوعاً للتوعية والتغيير، بينما تعاملت الحركات الدينية مع المجتمع باعتباره حاضناً للرعاية والامتداد.
اليسار رأى في الناس وعياً يحتاج إلى ترقية، فكان خطابه نظرياً، تنويرياً، صارماً، واعتمد على الندوات والمنشورات والمفاهيم المجردة عن الطبقة والاستغلال.
الحركات الدينية رأت في الناس جسداً يحتاج إلى رعاية قبل أن يصل إلى الوعي، فبدأت بالطعام والعلاج وتعليم الأطفال، ثم صنعت الولاء من هناك. الفرق أن اليسار راهن على تغيير العقل، بينما راهنت الحركات الدينية على تغيير الظروف المعيشية اليومية أولاً.
اليسار ظل أسير 'أفق الدولة، بينما الحركات الدينية أدركت أن الدولة ليست هي المجتمع.
اليسار، لأنه وُلد من رحم الدولة الحديثة (لتعبئة الأجهزة الإدارية)، ظل يخاطب الدولة ويحلم بالاستيلاء عليها، متناسياً أن المجتمعات العربية والسودانية تعيش في مساحات تتجاوز الدولة (القبيلة، الطائفة، الزاوية، السوق).
· الحركات الدينية فهمت أن الدولة شيء، والمجتمع شيء آخر، فذهبت إلى حيث لا تذهب الدولة إلا نادراً: إلى الأرياف، الأحياء الفقيرة، المساجد، والأسواق الشعبية.
وأخطر فارق - وهو ما يغيبه كثيرون - أن اليسار ظل يعتقد أن صحة الفكرة كافية وحدها لكسب الجماهير، بينما الحركات الدينية أدركت أن الجماهير تصدق من يخدمها أولاً، ثم تصدق أفكاره لاحقاً .
وهنا أعود لسؤالك العميق: لماذا الحزب موجود إذا كان عاجزاً ؟
الجواب: الحزب موجود لأنه يمثل ضميراً نقدياً للمجتمع، وليس بالضرورة أداة ناجحة للوصول إلى السلطة في كل الأوقات. التاريخ لا يصنعه فقط من يصلون إلى الكراسي، بل يصنعه أيضاً من يحافظون على جمرة العدالة مشتعلة في ظلام الانقلابات. لكن هذا لا يعفي الحزب من ضرورة مراجعة أدواته، وتعلم دروس خصومه في كيفية تحويل الفكر إلى حياة يومية، دون أن يتحول إلى نسخة طبق الأصل منهم.
العبرة ليست في من ينجح فقط، بل في من يتعلم من فشله . اليسار السوداني لم يفشل لأنه كان مخطئاً في مبادئه، بل لأنه راهن على تغيير الوعي من فوق، بينما تغير الوعي الحقيقي يبدأ من تحت، من تفاصيل الناس اليومية. وحتى نكون منصفين، لم تنجح الحركات الدينية في بناء دولة عادلة حين وصلت إلى السلطة، مما يثبت أن النجاح في اختراق المجتمع لا يعني بالضرورة النجاح في إدارة الدولة، لكنه يبقى شرطاً أساسياً لأي مشروع طموح.
فهل آن الأوان ليسارنا أن يتعلم من أخطائه دون أن يتخلى عن جوهره؟ هذا هو السؤال الأهم. شكرا لمرورك الكريم .
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق