الأحد، 5 يوليو 2026
الحزب الشيوعي السوداني . لماذا عجز عن صناعة التاريخ الذي حلم به ؟ تعقيب ومشاركة في الحوار.
تجربة الحزب الشيوعي السوداني واحدة من أكثر التجارب إثارة للتأمل. فهي تجربة تكشف مفارقة سياسية نادرة حزب يمتلك إرثا فكريا ضخما، وكوادر عالية التأهيل، وتأثيرا واضحا في الحركة النقابية والطلابية والثقافية، لكنه لم ينجح في التحول إلى قوة سياسية قادرة على قيادة الدولة أو بناء أغلبية اجتماعية مستقرة. و يصبح السؤال أكثر أهمية من مجرد استعراض التاريخ لماذا استطاع الحزب أن ينتج فكرا مؤثرا، لكنه عجز عن إنتاج سلطة سياسية مستدامة؟
يصعب إنكار أن الحزب الشيوعي السوداني لعب دورا محوريا في تشكيل الوعي السياسي الحديث في السودان. فقد ساهم في نشر أفكار العدالة الاجتماعية، والدفاع عن حقوق العمال والمزارعين، ومقاومة الدكتاتوريات العسكرية، كما خرج من داخله مفكرون ونقابيون ومثقفون تركوا أثرا واضحا في الحياة العامة. لكن السياسة لا تكافئ الأحزاب على جودة أفكارها، بل على قدرتها على تحويل تلك الأفكار إلى قوة اجتماعية وتنظيم سياسي قادر على إدارة الدولة. فقد تعامل الحزب، في كثير من مراحله، مع الفكر بوصفه مركز المشروع السياسي، بينما كانت المجتمعات تتحرك وفق اعتبارات أكثر تعقيدا من مجرد الانتماء الطبقي. فالسودان لم يكن مجتمعا صناعيا تتحدد فيه الولاءات على أساس علاقة العامل بوسائل الإنتاج، بل كان مجتمعا تتشابك فيه القبيلة والطائفة والدين والإقليم مع الاقتصاد، وهو ما جعل التحليل الطبقي وحده غير كاف لفهم الواقع أو تغييره.
لقد استطاع الحزب أن يرسخ حضوره داخل الجامعات والنقابات والوسط المدني، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في بناء امتداد راسخ داخل الريف، حيث كانت الزعامات التقليدية والطرق الصوفية والإدارات الأهلية أكثر تأثيرا من الخطاب الأيديولوجي. وهكذا ظل الحزب، رغم مكانته الفكرية، أقرب إلى حزب للنخبة المتعلمة منه إلى حزب جماهيري يمتلك قاعدة اجتماعية واسعة. أن الحزب كان شديد الصرامة في الدفاع عن مبادئه، لكنه أقل مرونة في إدارة التحالفات. فالسياسة في المجتمعات المتعددة لا تقوم على التطابق الفكري، وإنما على القدرة على بناء توافقات بين قوى مختلفة. وقد دفع اليسار السوداني ثمنا باهظا لاعتقاده أن نقاء الموقف أهم من اتساع التحالف، بينما أثبتت تجارب عديدة أن الوصول إلى السلطة في المجتمعات المنقسمة يحتاج إلى تحالفات واسعة أكثر من حاجته إلى اتفاق أيديولوجي كامل.كما أن الحزب لم يطور، بالسرعة الكافية، أدواته الفكرية لمواكبة التحولات الاجتماعية. فقد تغير السودان بصورة كبيرة منذ سبعينيات القرن الماضي تراجعت الطبقة العاملة المنظمة، وضعفت النقابات المستقلة، واتسع الاقتصاد غير الرسمي، وبرزت قضايا الهوية والحروب الأهلية والنزوح والتهميش باعتبارها قضايا مركزية. ومع ذلك ظل الخطاب اليساري يعتمد بدرجة كبيرة على مفاهيم صيغت لواقع مختلف، الأمر الذي حد من قدرته على مخاطبة الأجيال الجديدة. ولا يمكن تحميل الحزب وحده مسؤولية هذا الإخفاق. فقد عمل في بيئة سياسية شديدة القسوة، تعرض فيها للقمع والملاحقة والاعتقالات وحظر النشاط السياسي، كما فقد عددا من أبرز قياداته بسبب الأنظمة العسكرية. غير أن القمع، رغم أثره الكبير، لا يفسر وحده محدودية الانتشار الجماهيري، لأن أحزابا أخرى واجهت ظروفا مشابهة لكنها احتفظت بقواعد اجتماعية أوسع بفضل ارتباطها بالبنى التقليدية.
تكشف المقارنة مع تجارب أخرى عن هذه الحقيقة. ففي جنوب إفريقيا، لم يصل اليسار إلى التأثير عبر العمل الحزبي المعزول، بل من خلال تحالف واسع جمع الحركة العمالية والقوى الوطنية وحركات التحرر. وفي مصر والعراق، امتلكت الأحزاب الشيوعية حضورا فكريا وتنظيميا مهما، لكنها واجهت المصير ذاته عندما اصطدمت بأنظمة سلطوية من جهة، وبعجزها عن بناء قواعد اجتماعية عابرة للطبقات من جهة أخرى. أما في إثيوبيا، فقد تحولت بعض الحركات اليسارية إلى السلطة عبر القوة العسكرية، لكنها واجهت لاحقا أزمة بناء الدولة، مما يؤكد أن الوصول إلى الحكم لا يعني بالضرورة النجاح في إدارته.وهذا يقود إلى سؤال أعمق هل كانت أزمة اليسار السوداني أزمة حزب، أم أزمة نظرية سياسية حاولت تفسير مجتمع شديد التنوع بأدوات تحليل محدودة؟ فالتجربة السودانية أثبتت أن الصراع لا يدور فقط بين العمال والرأسماليين، بل بين المركز والهامش، وبين الدولة والمجتمع، وبين الهويات المختلفة، وبين مشاريع متنافسة لتعريف الوطن نفسه. ومن دون استيعاب هذه التعقيدات، يصبح أي مشروع سياسي معرضا للعجز مهما بلغت قوة منطقه الفكري.
لقد ظل الحزب بارعا في نقد الدولة، لكنه لم يقدم، بالوضوح نفسه، تصورا عمليا للدولة التي يريد بناءها في مجتمع متعدد الأعراق والثقافات والأديان. وكان ناجحا في تفكيك أخطاء خصومه، لكنه أقل نجاحا في إقناع المجتمع بأن لديه بديلا قابلا للحياة. فالنقد، مهما كان عميقا، لا يكفي إذا لم يتحول إلى مشروع حكم يطمئن مختلف فئات المجتمع.ومن الأخطاء التي وقعت فيها معظم الأحزاب العقائدية، ومنها اليسار السوداني، الاعتقاد بأن صحة الفكرة تقود تلقائيا إلى قبولها شعبيا. غير أن التجربة السياسية تثبت أن الجماهير لا تصوت للنظريات، بل لمن يلامس مصالحها اليومية، ويقدم حلولا عملية لمشكلاتها، ويبني الثقة عبر الحضور المستمر داخل المجتمع. ولهذا فإن الحزب الذي ينجح في كسب الجامعات قد يخسر الانتخابات إذا لم ينجح في كسب الأسواق والقرى والأحياء.
إن مستقبل اليسار السوداني، إذا أراد استعادة حضوره، لا يكمن في إعادة إنتاج الخطاب القديم، بل في إعادة قراءة السودان الجديد. السودان الذي خرج من عقود الحرب والانقسام والانهيار الاقتصادي ليس هو السودان الذي نشأت فيه الحركة الشيوعية قبل عشرات السنين. لقد تغيرت البنية الاجتماعية، وتبدلت أولويات الناس، وأصبحت قضايا السلام، والتنمية، والعدالة الانتقالية، والمواطنة، واللامركزية، أكثر إلحاحا من الصراعات الأيديولوجية التقليدية.إن الحزب الذي يريد أن يكون جزءا من المستقبل عليه أن ينتقل من موقع المعارضة الدائمة إلى موقع تقديم البدائل، ومن الدفاع عن الهوية الفكرية إلى بناء الهوية الوطنية الجامعة، ومن الاكتفاء بالنخب إلى الانفتاح على المجتمع بكل تنوعه. فالسياسة ليست امتحانا في صحة الأفكار، بل اختبار دائم لقدرة الأفكار على العيش داخل الواقع.لذلك فإن أزمة اليسار السوداني ليست أزمة ذكاء، ولا أزمة كوادر، ولا أزمة تاريخ نضالي، بل أزمة تحويل الرأسمال الفكري إلى رأسمال اجتماعي وسياسي. وبين الفكر والسلطة توجد مساحة واسعة اسمها بناء التحالفات، وإدارة الاختلاف، وصناعة الثقة، وهي المساحة التي لم ينجح الحزب في احتلالها بالقدر الذي يوازي حضوره الفكري.
وعندما يكتب تاريخ الأحزاب السودانية مستقبلا، قد يقال إن الحزب الشيوعي السوداني كان من أكثر الأحزاب تأثيرا في تشكيل العقل النقدي السوداني، لكنه لم يستطع أن يصبح الحزب الذي أعاد تشكيل الدولة السودانية. وبين الإنجازين مسافة لا تقاس بعدد الكتب التي كتبت، بل بعدد المواطنين الذين اقتنعوا بأن هذا الفكر قادر على إدارة حياتهم اليومية وبناء دولة تتسع للجميع.
زكريا-نمر
____________________________________________________________________________________________________________________________________________________________
تعقيب ومشاركة في النقاش :
محاولة أولية لتحليل الأفكار الرئيسية والعمل على الحوار النقدي معها عبر طرح أسئلة لتطوير النقاش : المقال يختزل الإخفاق في "أزمة تحويل الرأسمال الفكري إلى سياسي"، لكنه يتجاهل أن هذه الأزمة ليست خاصة بالحزب الشيوعي السوداني ، بل هي سمة عامة لليسار والأحزاب الشيوعية في المجتمعات ما بعد الاستعمارية، حيث الدولة هي الأداة الأساسية لتشكيل الطبقات، وليس العكس.
ما يثير التأمل حقًا هو أن الكاتب يقرّ بفشل الحزب الشيوعي في اختراق البنى التقليدية (القبيلة والطائفة)، لكنه لا يسأل: هل كان بإمكان الحزب أن ينجح في ذلك دون أن يتحول إلى نسخة طبق الأصل من هذه البنى؟ أي أن المقال يطالب الحزب بأن يكون "أكثر واقعية" في مخاطبة المجتمع، لكنه في نفس الوقت لا يحدد إن كان هذا الواقع قابلاً للتغيير أم أنه قدر محتوم.
كما أن المقال يُحمّل الحزب الشيوعي مسؤولية عدم تقديم "تصور عملي للدولة"، لكنه يغفل أن الحزب قد عاش معظم تاريخه في حالة استثناء سياسي (الانقلابات العسكرية وقمع الأحزاب)، وهو ما يجعل بناء تصور لدولة في غياب حرية العمل السياسي الطبيعي أشبه بـ"بناء خريطة لدرب لم تسلكه بعد". فالدفاع عن الحزب هنا ليس تبريرًا، بل هو نقد لمقاربة الكاتب التي تخلط بين الفشل الذاتي والشروط الموضوعية دون تفكيك دقيق للعلاقة بينهما.
أخطر ما في المقال هو استنتاج مفاده أن "النقد لا يكفي لإدارة الدولة"، وهو استنتاج صحيح، لكنه يتجاهل أن الحزب كان في موقعه المعارض ليس باختياره فقط، بل لأن النظام السياسي السوداني قام على إقصاء اليسار منذ الاستقلال، وكثير من أحزاب السلطة التقليدية كانت تصل إلى الحكم عبر تزوير الانتخابات أو التحالف مع العسكر، وليس عبر برامج عملية. أي أن اللوم يُوزع هنا بشكل غير متوازن.
هل يمكن لليسار أن يتحول إلى حزب جماهيري في مجتمع قبلي/طائفي دون أن يتنازل عن مبادئه العلمانية أو يتحول إلى "نسخة يسارية من حزب الأمة"؟ أم أن المأزق هنا هو مأزق وجودي وليس منهجيًا؟
الكاتب يعتبر أن اعتماد التحليل الطبقي كان غير كافياً لفهم الواقع . لكن السؤال: هل فشل الحزب بسبب خطأ التحليل، أم لأن الرأسمالية في السودان لم تنتج طبقة عاملة متمركزة، بل أنتجت "رأسمالية ريعية" مرتبطة بالدولة نفسها؟ وهل كان من الأجدى للحزب تطوير تحليل للـدولة الريعية بدلاً من التحليل الطبقي التقليدي؟
حين يتهم الكاتب الحزب بـ"الصرامة في التحالفات"، هل يقصد بذلك رفض التحالف مع الإسلاميين، أم مع الأحزاب التقليدية؟ وإذا كان رفض التحالف مع الإسلاميين كان خطأً سياسيًا، فكيف يمكن لليسار أن يتحالف مع قوى لا تختلف معه فقط في الرؤية، بل في تعريف "الوطن" ذاته؟ وأين تقع مسؤولية الأطراف الأخرى في فشل تلك التحالفات؟
يطلب الكاتب من الحزب تقديم تصور لدولة متعددة الأعراق والأديان. لكن السؤال: هل قدمت الأحزاب التي وصلت إلى السلطة (كالأمة والاتحادي والإسلامي) تصورًا أكثر وضوحًا إزاء التنوع السوداني؟ أم أن اللوم على اليسار يأتي لأنه الوحيد الذي يُحاسب على غياب "العملي"، بينما يُغفر للآخرين لأنهم نجحوا ولو بالفشل في إدارة الدولة؟
يقول الكاتب إن الجماهير لا تصوت للنظريات، بل لمن يلمس مصالحها. لكن السؤال المقلوب: كيف تبني خطابًا عمليًا في مجتمع يعاني من أزمة وعي سياسي نتيجة عقود من التجهيل والتخندق الهوياتي؟ وهل ينجح الخطاب العملي دون أن يكون هناك مشروع ثقافي موازٍ يعيد تشكيل ذلك الوعي .
تقول إن الحزب عجز عن "صناعة التاريخ الذي حلم به". لكن من يحدد تاريخ السودان؟ هل هو برلمانات وحكومات، أم هو حركات اجتماعية وثورات شعبية لم تصل إلى الحكم لكنها غيرت الوعي الجمعي؟ وهل النجاح في تغيير الوعي الجماهيري (وهو ما فعله الحزب) ليس شكلاً من أشكال صناعة التاريخ، وإن لم يترجم إلى كرسي رئاسة؟
المقال مهم لأنه يفتح النقاش، لكنه يحتاج إلى تجاوز السردية "التبريرية للفشل" من خلال ربط العوامل الذاتية بالعوامل الموضوعية، وعدم تحميل الحزب وحده مسؤولية أزمة سياسية هي أزمة دولة ومجتمع بأسره. ربما لم يعجز الحزب عن صناعة التاريخ، بقدر ما عجزت الدولة السودانية عن استيعاب مشروع نهضوي لم يكن ليقوى على مقاومته العسكر فقط، بل مقاومة البنى التقليدية والعالمية (الإمبريالية) معًا.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق