الخميس، 16 يوليو 2026

سورية: نموذجاً للثورة المضادة .. إعادة تعريف المصطلحات وكشف الآليات

في خضم الجدل الفكري والسياسي حول التحولات التي شهدتها المنطقة العربية ، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة ما جرى في سورية . هل كان مشروعاً ثورياً فاشلاً ، أم أنه يمثل نموذجاً متكاملاً للثورة المضادة بمعناها السياسي العميق ؟ الإجابة على هذا السؤال تتطلب تجاوز النظرة السطحية التي تخلط بين الفشل الذاتي والاستهداف الخارجي ، وإعادة تعريف المصطلحات بمنأى عن الانطباعات الرومانسية أو السوداوية . الثورة المضادة لا تعني قمع المطالب ، بل اختطافها الانطلاق من مسلمة أن المطالب الشعبية السورية ( مثل التحرر من الفساد ، تحسين الأوضاع المعيشة ، الحريات السياسية ) كانت مشروعة ، هو الأساس الذي لا يمكن تجاوزه . لكن جوهر المشكلة لم يكن في هذه المطالب ، بل في الآلية التي تم بها توظيفها. فالثورة المضادة ، كما نعرفها ، لا تتمثل في قمع المطالب الشعبية بقدر ما تتمثل في اختطافها واستغلالها كأداة لتحقيق أجندات خارجية . في الحالة السورية ، تحولت هذه المطالب المشروعة إلى تروس في آلة سياسية وعسكرية ، قادتها قوى إقليمية ودولية ( أمريكية ، تركية ، صهيونية ) بهدف واضح : ضرب الدور الوطني السيادي لسورية ، وتفكيك موقعها كجزء من محور المقاومة ، والتحضير لتقسيمها . إن المشروع التدميري الذي ألزمت به الفصائل الإرهابية المسلحة لم يكن مشروع إصلاح دولة ، بل كان مشروع تدمير الدولة ومؤسساتها الوطنية وأولها الجيش العربي السوري و تغيير النظام السياسي ، وقبولاً بالاحتلالات ، واستبدالاً للسيادة الوطنية بالوصاية الخارجية . الإغفال الفاضح للعامل الجيوسياسي أي قراءة للتحولات السورية تهمل البعد الجيوسياسي ، تكون قراءة ناقصة ومضللة ؛ فتحميل الشعب وحده مسؤولية ما جرى ، والنظر إلى الداخل بمعزل عن الخارج ، هو تجاهل لدور العامل الخارجي الذي كان فاعلاً ومؤثراً بدرجة لم تشهدها معظم الثورات التاريخية . في سورية ، لم نكن أمام حراك شعبي عفوي واجه قمعاً داخلياً فقط ، بل أمام تحالف دولي- إقليمي ضخم ، ضم حلف الناتو والاحتلالات الأمريكية والتركية والصهيونية ، إضافة إلى تمويل عربي خليجي ، عمل على تسليح وشرعنة أطراف إرهابية استخدمت أشد الأسلحة فظاعة ، وصولاً إلى استخدام السلاح الكيماوي كذريعة للتدخل العسكري الأجنبي . هذا التداخل بين العدوان الخارجي والاستغلال الداخلي هو ما يحدد طبيعة الثورة المضادة ، التي تختلف جذرياً عن أي ثورة وطنية أو تغيير مدني . قياس غير دقيق .. الثورات التاريخية والسياق المحصن المقارنة بين ما جرى في سورية والثورات التاريخية الكبرى ( كالثورة الفرنسية ، الروسية ، أو الإيرانية) هي مقارنة غير دقيقة ، إن لم تكن مغرضة . تلك الثورات ، رغم تعقيداتها ، نشأت في سياقات جغرافية وجيوسياسية مختلفة ، وحظيت في مراحل معينة بـحصانة نسبية ، أو لم تتحرك ضدها كل القوى العظمى بشكل موحد ومتصاعد منذ اللحظة الأولى . بينما في سورية ، كان العدوان الخارجي منظماً ومسبقاً ، واستهدف شل أي إمكانية لنجاح التحول الوطني . لذلك ، فإن وصف ما جرى بأنه فشل ثوري هو وصف سياسي يخلط بين الفاعل والمفعول به ؛ إنه ، في الحقيقة ، حديث عن نجاح العدوان وليس عن فشل المشروع الوطني . المشروع الوطني السوري لم يهزم في الداخل ، بل تم تغييبه بقوة السلاح والإرهاب الخارجي . نحو إعادة تعريف دقيقة للمصطلحات الخروج من دائرة التعميمات السلبية التي تنظر إلى قطار الثورات العربية من نافذة نتائجه المؤلمة فقط ، هو ضرورة فكرية . الرد على هذا الخطاب لا يكون بالدفاع عن عيوب الأنظمة السابقة ، بل برفض منطق تحميل الشعوب وحدها وزر ما جرى . المفتاح لفهم الحالة السورية يكمن في التفريق المفاهيمي بين : 1. ثورة التحرر الوطني : التي تستهدف الاستقلال والسيادة . 2. ثورة التغيير المدني : التي تستهدف الإصلاح الداخلي . 3. الثورة المضادة : التي تختطف المطالب الشعبية لتستخدم كغطاء لتدمير الدولة وإخضاعها لمشاريع استعمارية جديدة . سورية ، بكل ما جرى فيها ، هي النموذج الأكثر وضوحاً لهذا النوع الثالث . وإدراك ذلك هو الخطوة الأولى نحو قراءة صحيحة لماضيها ، وفهم عميق لحاضرها ومستقبلها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق